بيانات إعلامية | تقارير ودراسات | النشرة الأسبوعية | موضوع للمناقشة | خطوة للأمام | المنتدي | أجندة حقوق الإنسان| روابط | دفتر الزوار | الإيميل | عن الشبكة | جوائز حقوقية | حملات | خدمات
الرئيسية »» البحرين »» الجمعية البحرينية لحقوق الإنسان
ضياع حقوق العمالة الأجنبية.. الكل متواطئ
9/8/2006

وقفت في أحد الدكاكين الصغيرة بسوق المحرق بينما انهمك أحد الباعة في معاينة الخلل في ساعتي. وتوزع ثلاثة آخرون في ترتيب الدكان وانتظار الزبائن. وفجأة دخل علينا شاب في العشرينات من عمره يزبد ويرغي. ومن دون أن يلقي السلام فتح بركان غضبه على كل العاملين في الدكان (كلهم آسيويون). لم يوفر كلمة في قاموس الشتائم وقلة الأدب والبذاءة إلا وقالها.

تملكني الخجل من وجود مثل هؤلاء الذين يسيئون لسمعة البحرين؛ ولكنني في البداية شاركت العاملين صمتهم حتى لا يرميني بتلك الكلمات التي سمعت بعضها لأول مرة في حياتي، إلا أنه تمادى بل هددهم بأخذهم للشرطة، فأخذ الخوف يقفز من عيونهم، عندها انبريت للرد على هذا الشاب الذي لم يحترم إنسانية هؤلاء العاملين ولا سنهم حيث كانوا جميعاً في سن يقارب عمر والديه. لقد أرجأت الكتابة عن تلك الحادثة إلى وقت آخر؛ إلا أن الحريق الذي شب في أحد مساكن العمال الأجانب الأسبوع الماضي حثني على الكتابة ليس عن تلك القصة فقط ولكن عن معاناة العمال الأجانب وسوء أوضاعهم عموماً.

حمَّلت التحقيقات الصحافية بشأن الحريق الحكومة والكفيل مسؤولية تردي أوضاع العمال الأجانب والآسيويين خصوصاً؛ ولكن الحقيقة أن الكل متواطئ ابتداءً من المجتمع والمؤسسات الحكومية ذات العلاقة مروراً بالكفيل ومنظمات المجتمع المدني وانتهاء بالمؤسسات الحكومية في البلدان المصدرة للعمالة وسفاراتها في الخارج. ومما يؤسف له حقاً أننا نعيش في مجتمع يمارس التمييز.

والقصة التي ذكرناها سابقاً هي أوضح مثال على ذلك. فكثير من أفراد المجتمع ينظر إلى العمال الأجانب نظرة دونية، ويستقوي عليهم ويجعلهم موضوعاً للتندر والسخرية. وقد حفلت كثير من الكتابات والدراسات بل والأعمال الفنية من مسرحيات ومسلسلات بتلك النظرة التمييزية البغيضة. كما تعتقد فئة ليست بالقليلة أننا أصحاب فضل على العمال الآسيويين. وأن الكنتونات التي يتراصون فيها كأسماك السردين أفضل من الأكواخ التي يعيشون فيها في مدنهم وقراهم. كما أن الحافلات المكشوفة التي يستعملونها لا تقارن بتعلقهم بنوافذ وأبواب القطارات والحافلات في بلدانهم.

ونحن المنعمون على أطفالهم وأسرهم بالمعاش الهزيل الذي يرسلونه لهم فينقذونهم بالتالي من الفاقة والجوع. وعلى رغم حاجة المجتمع لجهود جبارة من أجل محاربة التمييز بكافة أشكاله؛ تركز مؤسسات المجتمع المدني على التمييز ضد المواطنين وتغفل عيونها عما سواه. فعلى سبيل المثال لا الحصر حضرت منذ أيام نقاشاً عن خطة وزارة التنمية الاجتماعية لإنشاء مراكز إيواء لضحايا العنف من النساء؛ وتبين أن الجمعيات النسائية تصر على تخصيص تلك الدور للبحرينيات فقط؛ في الوقت الذي تتعرض فيه العمالة الأجنبية النسائية لأبشع أنواع العنف وتحتاج بدورها لمراكز إيواء. وما أشبه الليلة بالبارحة، فمنذ عقود ماضية وصفت شروط عمل الغالبية العظمى من العمال الأجانب بالرق الحديث(1). ولايزال الكفيل أو صاحب العمل يعتبر العامل الأجنبي جزءاً من ممتلكاته الخاصة يشتمه ويضربه ويحبسه بل ويطرده من البلاد.

ولاتزال الغالبية العظمى منهم تعمل في بيئات تتنافى مع أبسط شروط الإنسانية والسلامة والأمان الوظيفي. وتتضاعف خصوصاً معاناة عمال ''الفري فيزا''. ومع ذلك عندما أرادت الحكومة تعديل أوضاعهم طردت الكثيرين منهم، ولم تحاسب كفلاءهم لأن معظمهم من المتنفذين الذين لا تطالهم عصا القانون. وكثيراً ما توجه أصابع الاتهام للحكومات المضيفة لعدم فاعلية أجهزتها ولتهاونها في إصدار التشريعات التي تحمي العمالة الأجنبية.

وبالمقابل تلعب الحكومات المصدرة للعمالة دوراً أساسياً في تفاقم أحوال مواطنيها العاملين في الخارج. فمن ناحية لم تنجح تلك الحكومات في رسم سياسات تنموية تشجع على توطين العمالة لديها، واكتفت - من ناحية ثانية - بملايين الدولارات التي يضخها العمال المهاجرون في بلدانهم؛ فتركتهم يواجهون مصيرهم من دون معين. وانعكست تلك السياسة على سفارات الدول المضيفة؛ فأصبحت عاجزة عن مساعدة مواطنيها. ففي مقابلة أجرتها الكاتبة العام 2001 مع المسؤولين في سفارات البلدان المصدرة للعمالة؛ ذكروا أنهم يعانون من نقص في الموارد البشرية والمالية لذا يقتصر دورهم على محاولة حل القليل من المشكلات العمالية(2).

وعلى رغم اعترافهم بوجود مشكلات حقيقية تعاني منها العمالة الأجنبية أبدوا تخوفاً من نشر آرائهم ''لأنهم لا يريدون تعكير صفو علاقاتهم الطيبة مع الحكومة''. بل ذهب أحدهم لأبعد من ذلك فتكلم بلهجة تنم عن احتقار تلك الفئة من العمال، واتهم العاملات بممارسة أعمال لا أخلاقية (3).

إن تردي أوضاع العمالة الأجنبية وبالأخص الآسيوية هي نتاج تراكمات عمرها أكثر من ثلاثة عقود. وهي تستلزم إجراء دراسات معمقة تمهيداً لإيجاد حلول إنسانية ومقبولة لها. كما تستلزم كذلك اتفاق الأطراف الحكومية والأهلية ذات العلاقة في البلدان المضيفة والمصدرة للعمالة على إصدار تشريعات وإيجاد حلول جذرية على ضوء مواثيق حقوق الإنسان الدولية واتفاقات منظمة العمل الدولية بشأن العمالة المهاجرة.

موضوع صادر عن :
الجمعية البحرينية لحقوق الإنسان
الجمعية البحرينية لحقوق الإنسان




جميع الحقوق © محفوظة للمؤسسات الصادر منها المواد المنشورة
مصرح بنشر اصداراتنا مع ذكر المصدر و الوصلة الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان 2003 - 2004
المواد المنشورة تعبر عن أراء كتابها ، مؤسسات أو أفراد ولا تعبر بالضرورة عن موقف الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان
مؤسسات حقوقية تغطيها الشبكة