English
الإمارات |الأردن |البحرين |تونس |الجزائر|السعودية|السودان| سوريا | العراق | عُمان|فلسطين |قطر|الكويت |لبنان| ليبيا|مصر| المغرب|اليمن| دولية و اقليمية
» عن الشبكة
» بيانات إعلامية
» تقارير ودراسات
» موضوع للمناقشة
»مواثيق وإتفاقيات
» أجندة حقوق الإنسان
» دليل المواقع
» دفتر الزوار
» منتدى الشبكة
» النشرة الأسبوعية
» اكتب لنا
» مؤسسات علي الشبكة
» جوائز حقوق الإنسان
» اصدارات حقوقية
» وظائف
إختار بالموضوع
* حرية رأي وتعبير
* الحماية من التعذيب
* المحاكمة العادلة
* الأمان الشخصي
* التجمع السلمي
* جمعيات ونقابات وأحزاب
* التنقل والإقامة والسفر
* السجناء والمحتجزين
* حقوق المرأة
* حقوق الطفل
* تداول المعلومات
* حرمة الحياة الخاصة
* الحق في الحياة
* حقوق اقتصادية واجتماعية
* حركة حقوق الإنسان
* نشطاء حقوق الإنسان
* ذوي الإحتياجات الخاصة
* الحماية من العقاب الجماعي
* العدالة الدولية
* أخرى
الرئيسية »» موضوعات للمناقشة »» حركة حقوق الانسان

الإصلاح من يناد به؟
منظمات حقوق الإنسان: فاعلية سياسية أم تمويل أجنبي؟

البعد الأخلاقي:
مراراً وتكراراً نتعرض لموجات من التردي والانحطاط تجعلنا فى حاجة إلى أن نُذّكر أنفسنا دوماً بضرورة التخلص من الذوق الرديء الذي يريد الاتفاق مع الأكثرية. وقد كثرت المناسبات هذه الأيام التى تدعونا إلى ضرورة التأكيد على أنفسنا فى أن نعيد الأمور قدر الإمكان إلى نصابها؛ على ما هى عليه فى الطبيعة وعلى ما كانت عليه دائماً: تبقى الأشياء العظيمة للعظماء، والأغوار للسابرين، والارتعاشات الرقيقة للمرهفين، وجملة واختصاراً: يبقى كل نادرٍ للنادرين.

والشيء النادر الذى أريد تناوله هنا هو الدفاع عن حقوق الإنسان فى مصر بشرف ونزاهة دون مآرب وأطماع، والنادرون هم نشطاء حقوق الإنسان، الذين يُخلصون لهذا النشاط من حيث جوانبه ودوافعه النقية، الروحية والقيمية، والذين لم تلوثهم بعد العيوب التى تلتصق بالمحترفين الذين يتخذون الدفاع عن حقوق الإنسان مهنة وحرفة تدر دخولاً رفيعة المستوى بل وأرباحاً. وأحياناً، وهو ما برز مؤخراً، تطلعات سلطوية منحرفة. فهم، أى النشطاء الحقيقيون كالرهبان والزاهدين المتصوفة يبذلون جهوداً حقيقية فى مجال التنمية وحقوق الإنسان ولم تمسسهم بعد نار الفساد الموقدة. اليوم ما أندرهم!

وعيوب المهنة المقصودة إنما تحتاج إلى بحوث علمية موضوعية مفصلة تقف على الأسباب الحقيقية لتردى العمل فى المنظمات وتنتهى إلينا بتصنيف علمى (أخلاقى- مهنى- تاريخى) يرشدنا- حيثما عملنا على إصلاح أو إنشاء منظمات جديدة مستقبلاً- إلى تدارك هذه العيوب والبناء على التراكم الإيجابى الذى قدمته الحركة والذى لا يمكننا جحده رغم قلته وضآلة تأثيره.

وقد جاءت بداية المقالة بهذه الروح وتسمية النشطاء بالنادرين عن خبرة ورحلة غير قصيرة مع منظمات حقوق الإنسان، وإذا اصطبغ الأسلوب ببعض النقد هنا فهو ليس نقد الشماتة ولا الفضح وإنما هو نقد لتدارك العيوب التى تُلهينا عن الإنجاز الحقيقى. ومن ثم ليس هناك داعى لإعمال نظرية المؤامرة الجاهزة فى ذهن الكثيرين الذين يتصرفون دائماً ولسان حالهم يقول: "عندما أسمع نقداً لمنظمتى أتحسس (.......)!

وإن ما قصدته من الفقرات السابقة ما هو إلا تقديم لمحة سريعة ومكثفة عن الظرف الأخلاقى الذى يحكم عملنا هذه المرحلة. وأستطيع أن أشعر الآن أن جميعكم يتفق على هذا، بل وأحياناً يردد هذا الكلام كنبرة للنقد المتطلع إلى إصلاح. ولكن الإشكالية هنا فى أن هذه الروح لا تظهر إلا وسط أجواء المجاملات؛ أثناء المؤتمرات والندوات أو مقابلة ممثلى المؤسسات الأجنبية سواء الداعمة للنشاط أو المراقبة له.

وقد أردت أن استهل الحديث بهذا البعد نظراً لما تطرحه هذه المرحلة علينا من ضرورة تقديم نموذج يحتذى به فى ظل التدهور الأخلاقى المشهود. خاصة وأن منظمات حقوق الإنسان لم تستطع تكوين قاعدة شعبية لها بسبب غياب هذا النموذج والإطار الأخلاقى الذى لا بد وأن يأتى على مقدمة العوامل والمقومات الجاذبة للجماهير المواطنين. منظمات تدعو إلى الحريات واحترام حقوق الإنسان، وما يستتبعه ذلك من احترام جميع القيم الأخلاقية، لابد أن تكون منزهة عن أية شبهات تعوقها عن محاسبة الفاسدين وتقويم وإصلاح الجهات المسئولة التى تضر بمصالح المواطنين وتهدر حقوقهم.

بعد الإدراك والخبرة
وإذا كان البعد الأخلاقى يذهب بنا فقط إلى التحدث عن عيوب دون ذكر نماذج جيدة أو تطوير بروتوكول أخلاقى أو ضوابط معيارية تمكننا من تطبيق مبادئ المحاسبة والشفافية والديمقراطية على أنفسنا قبل أن ننادى الدولة بتطبيقها، فإن مكاشفة أنفسنا فيما يتعلق بفهمنا وإدراكنا لطبيعة العمل وأدواته ستسفر عن ذكر عيوب كثيرة صار استمرارها يشكل خطراً كبيراًً، من أهمها ولا حصر:
  • مستوى ونوعية التأهيل العلمى للزملاء الأفاضل القائمين على المنظمات، خاصة تلك المنظمات التى تضطلع بالقيام بأدوار حساسة وتدعى لنفسها مناقشة أمور جسام ترقى إلى مستوى تنظيم الدول وتوجهاتها السياسية وهو غالباً ما يتم بأسلوب الهجوم والتشهير دون إدراك حقيقى للدور الأهم والأكثر فاعلية الذى يمكن لتلك المنظمات القيام به. ونعتقد أن الخلفية الثقافية والعلمية لأصحاب المنظمات سبب رئيسى فى عشوائية العمل وقلة جدواه، مع احترامنا بالطبع للنشطاء الحقيقيين منهم.
  • الانجرار وراء رد الفعل السياسى دون التروى فى دراسة الموقف جيداً وإعمال المناهج والأدوات العملية فى رصد الموقف ودراسته وتحليله ثم احتواء أطرافه وفق منظومة متكاملة تضع المسئول فى مكانه ومحاسبته وتضع الجمهور فى منزلته من احترام رأيه وتقديم الحقيقة إليه بتوخى الدقة والبعد عن المبالغة التى تسعى إلى كسب انفعالات المواطنين وتعاطفهم دون اقتناعهم ومشاركتهم الواعية. ولتذكر كم تحاملنا على منظمات حقوقية كبيرة مثل العفو الدولية ومراقبة حقوق الإنسان واللجنة العالمية لمناهضة التعذيب لتأخرها فى تغطية حدث ما ثم جاءت التغطية والمعالجة بعد ذلك أكثر فاعلية وجدية من بياناتنا الصحفية وندواتنا ومؤتمراتنا.
  • التأثير السلبى للتركيز على أهمية تسجيل نقاط لدى المؤسسات الأجنبية الداعمة من حيث أهلية منظماتنا للحصول على دعم، على عكس ما يتباه ويتفاخر به ويدعيه الكثيرون. وهذه مسألة تحتاج إلى دراسة متأنية، خاصة بعد ما علمنا مؤخراً عن إقلاع إحدى المنظمات عن تعاطى التمويل الأجنبى ولأسباب سياسية!!!
  • عدم إدراك الفارق الكبير بين منظمة حقوق الإنسان كمنظمة دفاعية تنموية وبين الحزب السياسى الذى يحسب فى إطار تعريف المجتمع المدنى كسلطة محتملة، حيث يمكن لهذا الحزب أو ذاك تولى الحكم عن طريق الانتخابات أو غيرها. بينما المنظمات الحقوقية إنما تمثل حائط الصد الأول بالنسبة لحقوق المواطنين ومن ثم عليها الاهتمام أكثر بما يخدم المواطنين وينمى وعيهم الحقوقى ويرفع لديهم الاستعداد للاستفادة من جهود التنمية والمشاركة فيها بل والمناداة بها.
الإصلاح: الآن وكيف
والآن، لا شك أننا جميعاً كنشطاء أو مهتمين بنشاط حقوق الإنسان قد حفظنا هذه العيوب والانتقادات عن ظهر قلب. ومن ثم يجب الإشارة إلى المناسبة التى تجعلنا نهتم بذكرها اليوم وهى موجة الشعارات المرفوعة هذه الأيام والمتعلقة بالإصلاح. خاصة إذا كان الإصلاح مرتبطاً بمبادرات خارجية بعضها باسم "كولن باول" وبعضها الآخر من أجل "الشرق الأوسط الكبير " الخ.. ونحن نشكر المزيد ولكن بدون استعمار أو احتلال. لذا من الضرورى اليوم مناقشة الجهات المنوط بها المناداة بالإصلاح. خاصة وأن موضوع الإصلاح اليوم يطرح على أرض مقفرة تنتقص أول ما تنتقص للإعداد الجيد والتراكم الذى يجعل من الإصلاح خطوة صحية تؤتى ثمارها المنتظرة. ونحن نستطيع بلا شك تسمية عدة جهات منوط بها لعب دور أساسى فى اتخاذ مبادرات الإصلاح. على رأسها منظمات المجتمع المدنى، ومنها بالطبع منظمات الدفاع عن حقوق الإنسان.

ولا شك أننا جميعاً ندرك الآن مدى أهمية الإصلاح خاصة فى عدم انتظار ثورة محققة قريباً، وفشل الإسلام السياسى فى تقديم بديل دنيوى ناجح. ومن ثم علينا اليوم رصد المقومات التى تخولنا المناداة بالإصلاح. والمسألة فى الحقيقية تتسم بالتعقيد إذا ما وضعنا نشاط ومنهج منظمات حقوق الإنسان ومنطلقاتها الفكرية كخلفية لطرحنا الفكرى أو السياسى، حيث علينا أن نلقى الضوء على عدة حقائق أساسية،
من أهمها:

أولاً) إن منظمات حقوق الإنسان فى مصر لم تحرك ساكناً أمام الجلبة التى تسوقها الدولة حالياً وتجلجل بها مدعية أنها بدأت تخطو خطوات على طريق الإصلاح. والمقصود هنا أن المنظمات المعنية لم تتدخل لا بالتحليل ولا باتخاذ موقف ممثل للغة ونشاط منظمات المجتمع المدنى المنوط بها أولاً تصميم وتنفيذ الإصلاح. بل على العكس، جاء رد فعل المنظمات وكبار النشطاء مساهماً فى الترويج للإصلاح متمثلاً فى موقفهم من تشكيل وعضوية المجلس القومى لحقوق الإنسان.

ثانياً) إن حركة حقوق الإنسان قد نادت من قبل وبجدية بعدة مطالب تتعلق بالإصلاح وكررت ذلك بأشكال وصيغ مختلفة ولكن لم تستمع الدولة لها واتهمتها بالعمالة للقوى الخارجية من خلال الأقلام الصفراء خدامين السلطة. إلا أن مبادرة المنظمات سابقاً كان يشوبها الفيروس نفسه الذى توفر له مجال تنشيطه حالياً وهو فيروس "رد الفعل الانفعالى الحانق" الناتج عن جينات وراثية معروفة جيداً اشتركت فى تشكيله، منها: الطفولية اليسارية، وروح القومية الناصرية المتشددة على مستوى الشعارات وتفخيم الذات بمناسبة وبدون، والفشل الذريع فى إتمام الشيء لأخره وفق تصورات جماعية ومنهج ديمقراطى وإدارة علمية، بالإضافة إلى وَهم المؤامرة التى يحيكها العالم ضدنا لسرقة مجدنا والنيل من عزتنا وشرفنا الذى أصبح مطبوعاً على جميع صحف العالم ومواقع الإنترنت! ونحن لا نلوم أحد سوى الأمريكان والصهاينة! لقد كانت هذه وغيرها من أهم الجينات التى ورثتها الحركة عن الخلفيات السياسية لزعمائها الحاليين.

ثالثاً) فى مبادرة الدولة الذكية بنسخ تجربة تونس واليمن والأردن وتشكيل مجلس قومى لحقوق الإنسان استطاعت الإدارة المصرية بحنكة تفتيت حركة حقوق الإنسان بالطريقة نفسها التى تستخدمها الإدارة الإسرائيلية مع الفلسطينيين والإدارة الأمريكية مع إدارتنا. لا ليست طريقة العصى والجزرة ولا الترغيب والترهيب بل هى طريقة أثبتت نجاحها كثيراً تتلخص فى معرفة الخصم بطريقة دقيقة وحاذقة تتيح لك توظيف نقاط ضعفه فى القضاء عليه، حيث تأتى التنازلات تباعاً ويخسر موقع قوته وفاعليته الحقيقية. ويبدو أن زعماء حركة حقوق الإنسان فى القاهرة كانوا منذ نعومة أظافرهم يتطلعون إلى مناصب مرموقة، وحبذا لو كانت فى الجهاز الإدارى الحكومى، فجاء رد فعلهم مثيراً للدهشة عندما عرضت عليهم الحكومة عرضاً باطنه تفتيت الحركة ونقض جوهر ومنهج منظمات المجتمع المدنى- الاستقلال عن السلطة والعمل كمصد ضد جور والدولة- وظاهره الدعوة إلى الإصلاح والاستعانة بزعماء الحركة فى مناصب حساسة لتفعيل منظومة حقوق الإنسان. جاء رد الفعل مثيرا للدهشة لأن العرض ببساطة كان "أن تترك موقعك كممثل ومدافع عن المجتمع المدنى لتشكيل مجلس لا طائل من وراءه سوة الدعاية أمام أرباب السوق من أجل تغطية موقف ضعف وتعويض خسائر فى الساحة السياسية. وقد أعلنت نتيجة التفتت فور إعلان نتيجة ضم الأعضاء: فالنشطاء الذين تم دعوتهم للعضوية احتاجو لمجهود ذهنى كى يبرزوا لنا أنهم قبلوا عن مضض عضويتهم فى النسخة الحكومية من حركة حقوق الإنسان، أما الفريق الآخر فقد اجتمعوا اجتماعاً مثيراً من حيث العدد، حيث لم يجتمع هذا العدد بهذا التنوع على كارثة تخص حقوق الإنسان فى مصر أو ماعداها واجتمعوا بعد أن خاب امل فى انضمامهم للمجلس وراحو يمارسون "رد فعل انفعالى حانق" وبنفس العيوب: حيث بدءوا بعدد كبير وانتهوا إلى نفر قليل من المنظمات الذين لا ننكر جدية بعضهم، بل ونؤكد احترامنا للجهود الجادة التى تسعى دوماً إلى عمل موحد ومتواصل.
وهذا لم يكن فى القاهرة وحدها بل تكرر ولكن بشكل أشد فى عمان، حيث أصبحت إحدى مناضلات حقوق الإنسان وزيرة للدولة فى التحدث باسم المملكة فى أمور "حقوق الإنسان".

رابعاً) إن التطورات فى المنطقة (من احتلال العراق وتفوق الآلة العسكرية الإسرائيلية مؤخراً على المقاومة الإسلامية، وفضيحة الإدارة الأمريكية بالانتهاكات التى وقعت للمعتقلين العراقيين فى سجن أبو غُريب) هذه التطورات كشفت شرذمة الحركة وانطلاقها وراء مبادرات شخصية تتأثر دوماً بالحالة المزاجية، فلم تخلق لغة مشتركة ولم تخلق موقفاً موحداً ولم تجرؤ حتى بسنة تطورها المتضائلة أن تتقدم بمطالب جادة فيما يتعلق بالانتهاكات المفزعة التى وقعت، وللحق أن هناك بعض المحامين قد أعلنوا مقاضاة الإدارة الأمريكية على تلك الانتهاكات ولكن بعد أن تحركت وسائل الإعلام فى كافة الدول والولايات المتحدة نفسها بشكل يفوق مئات المرات منظمات حقوق الإنسان وخاصة تلك التى تدعو نفسها دائماً منظمات تدافع عن القومية العربية. ولكن السؤال: ماذا تم هذه المرة سوى الشنشنة والطنطنة؟ حتى البيان لم يخرج عن أية منظمة رغم خروجه فى أمور أخرى بعيدة عن حقوق الإنسان.

وأخيراً) إن نشاط منظمت حقوق الإنسان حيال ما وقع فى العراق وتغطية هذه التجربة التاريخية الممثلة لعدة مشكلات وكوارث قابلة للتكرار فى جميع الدول العربية، كان أقل من الصفر، حيث لم نستمع إلى تحليلات حقوقية تلفت نظر المواطنين بأهمية المشاركة السياسية قبل أن نكون لقمة سائغة فى فم أى محتل عسكرى قد يأتى إلينا بحجة تخليصنا من الديكتاتورية. لم يخرج عن هذه التجربة سوى مراهنات وتوقعات لا تختلف عن توقعات المواطنين البسطاء العاديين: هل ستضرب أمريكا العراق؟ هل سترد العراق على إسرائيل؟ وبعد ذلك سقطت بغداد ولم يكن هناك سوى الشنشنة على ما تم من انتهاكات. وهذا كله فى رأينا يعود إلى الاستسهال فى تناول الأمور بطريقة تعودنا عليها فى تجاربنا السياسية، فى حين أن الرهان على منظومة حقوق الإنسان أصعب والهدف من خلالها أبعد نيلاً والعمل بأدواتها أعقد فى إجراءاته من ممارسة الغوغائية فهو عمل يحتاج لصبر وتروى ودراسة دقيقة بل ومشاركة حقيقية للمواطنين قبل التحرك فى أى اتجاه قد يملأ العالم من حولك كراهية وقنوط أو قوة ومقاومة على أرضية صلبة.

إننا فى خضم العمل فى منظمات حقوق الإنسان نجد أنفسنا متنازعين ما بين اليوميات التى دائماً ما تقحمنا فى عالم من الفوضى المستنفذة من جهة وبين الأحلام التى يرتبط تحقيقها دوماً بالرغبة فى التحول إلى مناخ خاص تتبلور فيه الأفكار وتنضج بفعله المخرجات. الأحلام فى سياق كهذا غالباً ما تكون عبئاً وغيابها أحياناً ما يكون أرحم بالمرء من وجودها وتشعبها. فأن تحلم بمجتمع تمارس فيه القيم التى اقترنت دائماً فى أذهاننا بالخير ونحن نشب فى مجتمعنا لم يعد أمراً سهلاً فى هذه المرحلة! حيث إن قيم من قبيل المساواة والعدالة والتسامح والاحترام المتبادل وما إلى ذلك من مسميات لطموحات مختلفة مثل الديمقراطية والمجتمع الليبرالى وإدراك حقوق الإنسان على الوجه الأمثل، هذه القيم لاشك أن تحقيقها على أرض الواقع يعد من الأحلام المعقدة، بل والمشكوك فى إمكانية تحققها هذه الأيام دون تضحيات ودون أن تقودنا إلى متاهات وتطورات متلاحقة تبعث على تغيير الثوابت الأخلاقية أو ما يتعلق منها بالنسق القيمى السائد.

بيد أن العلة ليست فى الطموح والتوق إلى مستوى أفضل أو وضع مثالى، فالإصلاح أصبح أخيراً مطلباً يمثل قاسماً مشتركاً بين رغبات الجميع وعلى جميع المستويات ولكن بأشكال ومآرب مختلفة. وأول استنتاج فيما يتعلق بمنظمات حقوق الإنسان، هو أن المنظمات فى مرحلة النشأة قد مرت بمشكلات وعرة وتاهت فى دروب ومآزق لم تمكنها حتى الآن من لعب الدور الحقيقى المنتظر بل كانت أحياناً بديلاً للأحزاب السياسية وفى أحياناً أكثر مجرد منبر للتعبير عن آراء سياسية فردية دون أية فاعلية سياسية (حقيقية) وذلك لعدم وجود قاعدة شعبية أو جماهيرية لها. ومن ثم فإن السادة الذين يبحثون عن فاعلية سياسية للمنظمات ويريدون بذلك طمس الدور الحقيقى المنوط بهم قد فشلوا فشلاً ذريعاً فى عدة أمور، منها: أولاً) قدرتهم على أن يكونوا سياسيين فحتى الدور المشوه لمنظمات حقوق الإنسان فشلوا فى أداءه، ثانياً) خداعنا بأنهم يستطيعون ولو المساهمة فى تغيير المجتمع من خلال الأدوات المستخدمة والسمعة غير الطيبة وهو ما ثبت فشله بل وتأثيره السلبى فى إلصاق خصائص سلبية بحركة حقوق الإنسان يمكن أن تؤخر من نتائج أية جهود حقيقية بعد ذلك، ثالثاً والأهم، خسران القاعدة الجماهيرية التى أصبحت تنفر من منظماتنا الآن بل وتتهمها بالتكويش على الدولارات وفقط.

التمويل الأجنبى
كمصدر لدعم أنشطة الدفاع عن حقوق الإنسان والتنمية وكافة الأنشطة التى تقوم بها المنظمات غير الحكومية، وهو موضوع كان ومازال مادة ثرية للكتابة من قبل جميع الأقلام المعارضون له والمدافعين بموضوعية عنه وكذلك المستفيدين من وراءه!

والتمويل الأجنبى يعد محكاً ممثلاً وذو دلالة قياسية عالية المصداقية، ويمكنك على هذا المحك أن تقيس بسهولة ودقة توجه هذه المنظمة أو موقف تلك من أمور كثيرة ودقيقة قد لا تستطيع استشفافها فى سياقها الطبيعى. ولدينا هنا مناسبة قوية مثلما كان الأمر عند التحدث عن الإصلاح وهى مناسبة خاصة جداً قد لا تتكرر بعد ذلك، وهى دعوة منظمة من كبريات المنظمات فى التمويل توقفها عن تلقى التمويل، خاصة أن المنظمة هذه تتميز بعملها مع فئات عريضة من مواطنى شعب مصر الشرفاء!

إننا أحياناً يمكننا التغاضى عن أخطاء معينة فى سبيل الخروج بخبرة تكون بمثابة العتبة threshold التى يمكنك القياس على أساسها؛ أين وصلنا وفق افتراضات علمية صيغت بدقة؟ إلى أى مدى استخدمنا الأدوات الصحيحة؟ هل نجرب مرة أخرى مع ضبط المتغيرات المختلفة؟ إلى آخره. والأمر هنا ليس فى تلقى التمويل من عدمه بل إنه يتجاوز كذلك الأسئلة المستهلكة من قبيل هل نتلقى تمويلاً أجنبياً من منظمات ومؤسسات لصيقة الصلة بحكومات أجنبية؟ أو مؤسسات أخرى لصيقة الصلة بأجهزة مخابرات؟ أو ثالثة تخدم أجندات بعينها غير عابئة بالأحلام والقيم والثقافة المحلية؟ الأمر فى مدى إبداعنا نحن فى خلق تجربتنا الخاصة وبلورتها على نحو موضوعى والآن وليس بعد قليل، ولكن دون مزايدات رخيصة. ولن يتحمل الموقف الآن أن نجلد بعضنا البعض بأسئلة من قبيل هل أنجزنا شيئاً على مدى عشرين عاماً سوى الشللية؟ أو ما هو حجم الأموال التى تلقتها منظمات حقوق الإنسان مقارنة بحجم ما تم إنجازه؟ وبحجم الاستفادة الشخصية؟ أو كما يحلو لكثير من المتربصين بالحركة متمنين فشلها وانزلاقها أكثر فى محيط الفساد المتسائلين دوماً: من فى أصحاب المنظمات مع الحكومة ومن مع أجهزة الأمن؟ كفانا اليوم. فنحن أمام مظاهر جديدة تدعونا أن نغير أسئلتنا وتدعونا أيضاً إلى تجاوز حالة رد الفعل.

إننا اليوم نتعامل مع بعضنا البعض وكل منا لا يستطيع أن يتفاخر بما حققه بل الأغلبية تسعى للتفنن فى إخفاء العورة، وكان من الممكن أن نكون فى غنى عن ذلك.

ما كان لكم أن تصبحون بعورات فساد وأنتم تنشدون تقديم أنفسكم كنماذج وقدوة تساءل الفاسدين وتحاكم المنتهكين. إننا على أية حال لا نستطيع البتة اللوم على أحد فى قبول أو رفض تمويل ولكن لا بد أن يكون هناك مراعاة لأمور كثيرة وألا يكون الأمر على طريقة "شمشمون". فأن ترفض التمويل لاعتبارات خاصة وداخلية هذا أمر نحترمه جميعاً، ولكن أن يكون الرفض لأسباب سياسية تمسنا جميعا والمتاجرة بها يؤثر على موقف الجميع فهذا أمر لا يليق. علاوة أيضاً على أن شيء لم يتغير منذ بدأت الهرولة وراء التمويل الأجنبى وبطريقة راحة ضحيتها أناس كثيرين وهو أيضاً ما ما يثير الاستفزاز والاشمئزاز.

ولا يليق أيضاً أن نربط رفضنا للتمويل بكيل اللعنات للاتفاقيات الدولية فهذه مسألة متناقضة مع العمل باسم حقوق الإنسان، ولابد معها من طرح السؤال: ماذا فعلنا نحن بالاتفاقيات الدولية؟ أو ماذا فعلنا لنحقق ما جاء فيها؟ هذا إذا كنا فى الأصل قد قرأنا ما فيها بعيداً عن ذكر فقرة هنا فى مشاريع التمويل أو فقرة هناك فى البيانات الصحفية؟

وإذا كانت الأحداث المتردية التى وقعت على المستوى الدولى بدءا من أحداث 11 سبتمبر وحتى انتهاكات المعتقلين العراقيين قد حدت بنا إلى اليأس والقنوط فلابد أن يكون اليأس حالة فردية نتكاتف جميعاً لتقديم علاج لها ولا يجب البتة العمل على تعميمه وتشكيل حركة باسمه. بل إن المطلوب كان أكثر من مقاومة اليأس، فهناك الكثير مما تستطيع المنظمات والنشطاء القيام به، فيمكن تحليل القانون الدولى وبذل مجهود فى البحث عن الخلل الذى يعترى القانون الدولى أو النظام الدولى ونفعله وبعد ذلك إذا فشلنا من الممكن وقتها أن ننتحر، أو تقلع عن تعاطى التمويل والدفاع عن حقوق الإنسان بصفتها بدعة غربية!

إن المنطلقات الأساسية للعمل الدولى فى مجال حقوق الإنسان، من قبيل: سيادة الدولة Sovereignty، مفهوم الهيمنة Hegemony، منطلق فوق قومى Super national Logic، ومنطلق عبر قومى Trans national Logic، ومنطلق شعبوى Populist Logic، ومنطلق الحقوق الطبيعية Natural Rights Logic. هذه المنطلقات جديرة وحدها بالعمل والدراسة على مدى سنوات من أجل وضع أفضل لحقوق الإنسان ليس فى مصر وحدها بل وفى العالم الأكثر فقراً والأكثر انتهاكاً. والعالم ليس إسرائيل وأمريكا فقط فهناك بالتأكيد خيرين غيرنا فى العالم!

أشياء كثيرة كان من المكن أن يقوم بها النشطاء النادرون والمجهودات التى من الممكن القيام بها قبل أن نلعن الاتفاقيات والقوانين، لأننا إذا لعنا الاتفاقات الدولية والقوانين دون أن نقدم بديل، فإن هذا سينتج عنه شيء بسيط جداً وهو أننا سنرضى بفوضى استخدام القوة وانتشار العنف والرد الأعنف، ولسنا هنا أصحاب رقم قياسى سوى فى عدد الضحايا الذين راحوا ضحية استخدام هذا المنهج.

ونحن فى عملنا كمنظمات حقوقية لا نستطيع أن نعمل ونحن معلقين الآمال على اتفاقية ما أو على دعم دولى لقضية دون الأخرى ولسنا فى هذا مضطرين إلى الإيمان بالغرب أو الشرق، إنما كل ما نستطيع أن نفعله هو مساندة المواطنين، ورد الانتهاكات عنهم وتوعيتهم بالمطالبة بحقوقهم ومن ثم فنحن نوظف كل أداة وكل إسهام إنسانى فى تحقيق هذه الأهداف البسيطة والشرعة الدولية لحقوق الإنسان والاتفاقيات الدولية الأخرى لا تخرج عن كونها من الإسهامات الراقية والجادة فى تحقيق العدالة الاجتماعية والمحافظة على الحقوق والحريات. ومن ثم عندما يأتى أحد ليتحدث عن فشل منظومة حقوق الإنسان والمنظومة الدولية أو هذا، فهو لا يتحدث سوى عن فشل داخله وفى ذهنه، فشل قائم على سوء إدراك وتعليق أمل على لا شيء. ومن هنا نستطيع أن نغفر له سوء الفهم. أما وأن يكون مدركاً لما يقوله ويقصده فتكون الطامة كبرى وتكون المسائلة واجبة، حيث أنه باسم هذه الاتفاقيات والمنظومة الدولية حصل على أموال توفرت من قبل مؤسسات التمويل من مصادر مختلفة كى تساعد فقراء العالم الثالث وضحايا الانتهاكات، دون أن ننكر بالطبع وجود سوءات فى هذا الأمر. ومن ثم فإن رفض التمويل الأجنبى كدعم لأنشطة تأتى فى صالح الفقراء والمهمشين ونشر الوعى الحقوقى لا يصح ربطه بالموقف من بروتوكولات حكماء صهيون، أو مخطط شارون أو مخطط بوش أو غير ذلك مما يمكن اختراعه على صفحات الصحف الصفراء، ولا يمكن أيضاً ربطه بالموقف من غزو العراق أو تقاعس الأمم المتحدة عن اتخاذ إجراء ضد إسرائيل. العكس صحيح عندما تكون حكومات الدول المختلفة وخاصة الدول الكبرى بهذا التواطؤ على مصالح شعوب ومصيرها، يأتى الدور الحقيقى لمنظمات حقوق الإنسان، فى تشكيل محاكم ومحاكمات، وتكوين تكتلات من المواطنين والمتعاطفين على مستوى العالم لتأييد القضية بالإضافة إلى الجوانب الفنية الأكثر تعقيداً والتى علينا القيام بها قبل أن نعلن فشل المنظومات الدولية!!! ونحن نعلم جيداً مدى المجهود الذى تقوم به المنظمات فى اقناع الجهة الممولة لتقديم الدعم، لماذا لا نصنع الشيء نفسه فى تكوين ائتلافات مع منظمات شبيهة وشريكة فى دول أخرى للضغط على حكوماتها. إن هذا هو من صميم عمل منظمات حقوق الإنسان.

ومن ثم فمن حقنا اليوم أن نقدم كشف حساب دقيق: عن كل شيء وبكل تفصيل قبل أن نبرأ ذمتنا من شيء نراه سيئ وجب التطهر منه!

اقتراحات:
ومن جراء ما ذكر، لماذا لا نقوم بعدة تحركات تجاه الأوضاع المتدهورة:
  • تشكيل تكتل أو اتحاد مؤقت بين المنظمات العاملة من أجل حقوق الإنسان هنا وفى الولايات المتحدة دون غيرها للاتفاق على صيغة محترمة لحملة كبيرة فى مواجهة ما وقع من انتهاكات لحقوق الإنسان فى العراق. وليكن شعار هذه الحملة مطالبة الحكومة الأمريكية عدم التحدث باسم حقوق الإنسان حتى الانتخابات القادمة؟ وهو مطب بسيط ولكن أثره عظيم.
  • عمل مؤتمر موسع يضم جميع المنظمات العاملة فى حقوق الإنسان بلا تمييز أو استثناء لمناقشة أمور بينية وداخلية ويكون على الملأ، ويكون هذا فخر حركة حقوق الإنسان فى الشفافية والمحاسبة، بعده تستطيع إلزام الجهات المسئولة الفاسدة بتطبيق هذه المبادئ.
  • تكوين مجموعة مرجعية من النشطاء غير العاملين فى مجال حقوق الإنسان والمهتمين به على نحو إنسانى غير مادى وغير مستفيدين منه. مجموعة من المراقبين تتطوع بالعمل من أجل إبراز المشكلات فى المنظمات المختلفة التى تتناقض مع ما تنادى به، يوتم تبادل المعلومات الخاصة بتلك المشكلات من أجل معالجتها فى إطار جماعى. وذلك من وازع أن ارتكاب الأخطاء باسم منظمات حقوق الإنسان يسئ للمجال برمته وقيمه وأدواته وليس للشخص فقط المرتكب له خاصة لو كان الخطأ جسيم. تماماً مثل ما تقوم به نقابة الأطباء أو المحامين فى فصل أحد الأعضاء إذا أساء لشرف المهنة. ويوصى أن تكون هذه المجموعة من أشخاص موثوق فيهم ومعروف عنهم نذاهتهم.
  • تنظيم معرض فنى وتظاهرة سلمية (صامتة) بدون هتافات. فقط لوحات تحمل رسائل للجماهير الذين سينضمون يناقشوننا ونناقشهم فى أمور التعديات والانتهاكات التى وقعت لسجناء ومعتقلين عراقيين وأيضاً الجريمة البشعة التى تم فيها ذبح الرهينة الأمريكى، فهى كلها اعتداءات غير آدمية ويجب وقفها فى الحال. وليكن هذا المعرض بعيداً عن تفريغ الانفعالات النفسية وكبت الهتيفة وقريباً من المناقشة والهدوء حتى يكون له أثر لدى المواطنين العاديين.

ربيـع وهبـه
باحث ومترجم وأحد نشطاء المجتمع المدنى.
 
البحث في صفحات الشبكة
ادخل كلمة البحث


منتدى حقوق الإنسان

انضم لقائمة المراسلة
الاسم:
البريد:
الدولة:


جميع الحقوق محفوظة للمؤسسات الصادر منها المواد المنشورة
مصرح بنشر اصداراتنا مع ذكر المصدر و الوصلة الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان 2003 - 2004
المواد المنشورة تعبر عن أراء كتابها ، مؤسسات أو أفراد ولا تعبر بالضرورة عن موقف الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان
CyberCairo.NET خدمات المواقع