الرئيسية »» موضوع للمناقشة

التمويل الاجنبى .. وحديث الإفك

عبد المولى إسماعيل
باحث و ناشط في المجتمع المدني وحقوق الإنسان


ستظل قضية التمويل الاجنبى تحتل مساحة كبيرة فى الخطاب السياسى المصرى المعاصر ، وستظل فى الوقت ذاته تكأة للبعض فى النيل من البعض الآخر تحت مبررات وحجج كثيرة .

ولعلنا نعلم ما قامت به بعض الجرائد وعلى مدار سنوات فى كيل اتهامات من قبيل الخيانة الوطنية بحق من يتلقون هذا التمويل الاجنبى ، ومن عجب أن الأمر لم يقف عند حدود تلك الجرائد بل أمتد لبعض مراكز حقوق الإنسان التى اغترفت من هذا التمويل الاجنبى الكثير والكثير طيلة سنوات ، ليصحو القائم على إدارتها فجأة شاهراً سيفه متهماً من يتلقون هذا التمويل بإنعدام الشرف مرة، والخيانة الوطنية مرة أخرى، دون أن يعلن عن مصادر التمويل الذى حصل عليه وطرق إنفاقه ولو لمرة واحدة على مدار ما يقرب من عشر سنوات .

وبالطبع فلقد جاء البيان الصادر عن هذا" المركز " بالتأكيد على وطنيته فى مواجهة الآخر ، وكأن من يتلقون التمويل الاجنبى لا يتمتعون بنفس الدرجة من الوطنية .

ولا نعرف هل فقد هذا المركز وطنيته عندما تلقى التمويل الاجنبى على مدار ثمانى سنوات كاملة ، والآن يستعيد وطنيته بعد إعلانه عن رفضه التمويل الأجنبى.

إن الأمر لا يعدو سوى نوع من المراوغة والتلاعب بما يعنيهم الشأن العام فى بلادنا .

وفى إطار تأكيد وطنية القائمين على إدارة هذا" المركز " لا مانع لديهم من إهالة التراب على الأمريكان والغرب واستخدام الرطانة اللفظية ذات المسحة الراديكالية فى هذا المقام .

حيث يشير البيان الصادر عنه " إنه قد تبنى هذا الموقف الرافض للتمويل الاجنبى بعد أن مر بتجربة مريرة خلال السنوات 1998 /2004 التى حصل فيها على هذا التمويل ، وما نريد تصحيحه هنا فقط أن هذا " المركز " قد تلقى هذا التمويل منذ عام 1997

ومن ثم فإن ثمانى سنوات لم تكن كافية لكي يعلم القائمون على إدارة هذا المركز مخاطر هذا التمويل وما يتسبب فيه من الإنتقاص من الوطنية ، ولكن فجأة وبعد ثمانى سنوات كاملة من تلقى التمويل الاجنبى والاستفادة من عطاياه فى تحقيق مصالح ومآرب شخصية ، يستفيق القائمون على إدارة هذا " المركز" ليكتشفوا خطورة هذا التمويل على وطنيتهم .

وفى سبيل تأكيد تلك الوطنية والتطهر من رجس التمويل الاجنبى لا مانع من استخدام الرطانة اللفظية ، من أن منظومة المؤسسات الدولية والمواثيق والاتفاقيات الدولية قد سقطت فى اختبارات عديدة أهمها احتلال الجيش الأمريكى لدولة العراق ، وقيام إسرائيل بممارسة الانتهاك المتواصل لكافة قرارات الأمم المتحدة ومجلس الأمن .. إلى آخر الصياغات الطنانة التى تمتطى مسوح الدفاع عن العراق وفلسطين ، وهنا تحضرنى أحد الأبيات للشاعر الفلسطينى "محمود درويش" عندما يخاطب الفلسطينى طالباً منه " أن يسحب حذائه من بلاط الحاكم العربى حتى لايعلقها وساما ".

إن ما يفعله القائم على إدارة هذا " المركز" وتلك العبارات التى يتم تدبيجها عن نضال الشعب الفلسطينى لا تعدو سوى نوع من الرطانة التى تخفى ورائها فساداً لا حدود له مثلما فعل الحاكم العربى الذى لا يمل ولا يكل من الحديث عن الشعب الفلسطينى وهو فى كل ممارساته يهين هذا الدم الفلسطينى صباح مساء .

واستمراراً لهذه الرطانة يربط " المركز " بين رفضه للتمويل الاجنبى ورفضه للمبادرات الأمريكية والغربية ، ولا ينسى القائمون على إدارة هذا المركز من استخدام الرطانة فى مجال آخر وهو الحديث عن الديمقراطية فى مصر ومطالب الحركة الو طنية وإهالة التراب على الحكومة المصرية كونها لا تتبنى المطالب الديمقراطية ! .

وهنا تبلغ الرطانة اللفظية ذات المسوح الراديكالية مداها وذلك لسبب بسيط هو أننا لا نعرف لهذا " المركز " الذى يعطينا دروساً فى الديمقراطية أية ملامح عن ديمقراطية داخلية فعلى مدار عمر هذا " المركز " منذ عام 1996 ظل مديره قابعاً وقابضاً على كل مقاليد الأمو ر داخل " المركز " وتحكمه فى كل صغيرة وكبيرة ، ولم يسمح يوماً بإن يعطى أحد حق الاختلاف معه .

وتبلغ الازدواجية مداها عندما يشير البيان الصادر عن هذا المركز أنه أعلن موقفه من قضية التمويل الاجنبى خلال عام 1999 فى تقرير حول حركة حقوق الإنسان المصرية حيث أكد أن قبول التمويل الاجنبى يجب أن يقوم على عدة اعتبارات منها علانية التمويل الاجنبى ومسئولية الجمعيات الاهلية التى تقبل به عن إعلان أوجه انفاقه والاغراض التى تستهدفها الجمعية من هذا التمويل

ومعذرة أن توقفنا قليلاً أمام هذا الاعتبار لنكتشف معه مدى الزيف والابتعاد عن أية مصداقية لبعض من يتناولون قضايا التمويل الاجنبى ، حيث لم يقم هذا المركز بإعلان أى ميزانية أو قيمة ا لتمويل الذى حصل عليه منذ نشأته وحتى الآن سواء للرأى العام أو حتى للعاملين بالمركز.

ومن ثم نتمنى أن يطلعنا على بعض مصادر تمويله وطرق الحصول عليه وكيفية إنفاقه له .

وإمعاناً فى هذا الزيف يعتذر البيان لكل أهالينا فى الريف والشرفاء فى وطننا الغالى عن إضطراره فى فترة سابقة لقبول التمويل الاجنبى .

إن المتأمل للخطاب الذى ساقه البيان الصادر عن هذا المركز السابق الإشارة إليه ينطوى على تخوين البعض ووصمهم بإنعدام الوطنية من جانب والنيل من شرفهم من جانب آخر ، إضافة إلى نبذ الآخر وبث روح الكراهية والتعصب . وفى الوقت ذاته وعلى الرغم من رفضنا لهذا الخطاب المنغلق والمتعصب فى آن واحد فإن كل ما نرجوه لمن يسوقون هذا الخطاب التحلى ببعض الشفافية فيما يطرحونه من قضايا .

وبخاصة أن هذا المركز عاود الحصول على التمويل الاجنبى مرة أخرى ، فهل معنى ذلك أنه نسى كل مل قاله حول انعدام الشرف والوطنية لمن يحصلون على التمويل الاجنبى ، وهل تعنى معاودة هذا المركز الحصول على التمويل الاجنبى مرة أخرى التنازل عن كل القيم المتعلقة بالشرف الوطنى ، وماذا سيفعل مع أهالينا الفلاحين فى الريف المصرى بعد أن أعتذر لهم سابقاً عن تلقيه التمويل الاجنبى ؟!.

وفيما يتعلق بمؤسسات التمويل الاجنبى فإن هناك سؤالاً نطرحه عليهم ، هل تنطوى أجندتهم التمويلية على دعم الكراهية ، ونبذ الأخر ، والتخوين ، والتعصب ، والانغلاق ، إضافة إلى الاستبداد ، وغياب الديمقراطية ، وانعدام الشفافية وقيم التسامح والإدارة السلمية للصراعات الداخلية ؟ .

وفى الوقت ذاته نتساءل مع بعض نشطاء المجتمع المدنى الذين يتعاونون مع هذه النوعية من الخطابات الصادرة عن أحد تلك المراكز أن يعطونا بعض التبريرات التى يمكن أن تساعدنا فى فهم هذه الازدواجية وتلك الطلاسم والمراوغة والزيف والنيل من شرف البعض ووطنيتهم بتهمة الحصول على التمويل الاجنبى .

وكيف ينظرون إلى تلك الإزدواجية القائمة على إمتطاء جواد الوطنية والحط من كرامة الآخرين بتمهة الحصول على التمويل الاجنبى ، فى الوقت الذى يقوم فيه ذات المركز بالحصول على التمويل الاجنبى مرة أخرى؟ إنها مجرد أسئلة نطرحها على البعض على أمل أن نحصل على إجابة تعطينا أملاً فى التصدى لإستشراء الكذب وغياب المصداقية تجاه المتاجرين بآلام الناس ، إننا جميعاً مدعوون لمحاولة الإجابة على تلك التساؤلات أو حتى بعضاً منها .

تحريراً في 15/6/2005