بيانات إعلامية | تقارير ودراسات | النشرة الأسبوعية | موضوع للمناقشة | خطوة للأمام | المنتدي | أجندة حقوق الإنسان| روابط | دفتر الزوار | الإيميل | عن الشبكة | جوائز حقوقية | حملات | خدمات
الرئيسية »» موضوع للمناقشة
أكدتها الانتخابات في مصر
مأزق علماني مصري
بين حكومة فاسدة ، وحكومة دينية

11/2005

لسنوات طويلة كانت الصورة في مصر ، تفتقد لأجزاء كثيرة ، حتى تتضح ملامحها وتتبلور حدودها . إلا أن ما تشهده مصر هذا العام ، هو تجميع للكثير من أجزاء هذه الصورة ، حتى أوشكت أن تكتمل وتظهر للعيان ، في أقسى ما يمكن لمواطن علماني أن يراه ويعيشه .

يظهر في إطار الصورة قانون الطوارئ البغيض الذي يخيم على مصر منذ نحو 38 عاما ، أو تقل قليلا ، وفي الخلفية ، سيطرة كاملة من البوليس السياسي المصري على كل مجريات الحياة في مصر ، حيث تتمثل تلك السيطرة في التعذيب وتلفيق القضايا ، والمحاكمات الغير عادلة ، والتجسس على المواطنين وانتهاك حرمة حياتهم الخاصة . الأجزاء القليلة التي اقتصرت عليها الصورة حتى وقت قريب ، تمثلت في نظام يستبعد الأخر ، أي أخر ، ولا يتورع عن استخدام كل الحيل والأساليب الرخيصة في الاستئثار بالسلطة ، وتشويه وقمع معارضيه ، وحرمان شعبه من ابسط حقوقه واقلها أن يختار من يحكمه .

*جاء عام 2005، ليضيف الكثير من أجزاء هذه الصورة ، تعديلات تشريعية يوهم ظاهرة بإتاحة المجال لتنافس حر على رئاسة الدولة ، و ترسخ حقيقتها لبقاء رمز هذا النظام الفاسد للمزيد من السنوات .

* استفتاء على هذه التعديلات ، يصبح كميدان تجارب لتقنيات جديدة منحطة بيد أجهزة الأمن ، تتمثل في التحرش بالنساء والسحل بالشوارع للرموز المعارضة و الصحفيين ، وإعداد البلطجية والمجرمين لمعارك قادمة .

* أخر الأجزاء المضافة للصورة ، انتخابات يتصارع فيها بشكل رئيسي هذا النظام بكل فساده واستبداده وتقنياته الجديدة ، مع منافس يحشد كل مصاحفه وصكوك الغفران لخوض المعركة .

اكتملت الصورة أو أوشكت .. وبدأت التقييمات المختلفة :

- هذا وقت العمل فلنتحالف مع الدولة لصد الهجوم الديني الفاشي .
- جاء الدينيين عبر الانتخابات فمرحبا بهم كسلطة شرعية .
- الدولة ستستخدم التشكيك في نزاهة الانتخابات لحل البرلمان وتفويت الفرصة على الدينيين .
- الهجرة من مصر هو الحل بدلا من القتل على أيدي الدينيين في الشوارع .
- أخفقنا ولم نمثل تيارا ثالثا وبديل للدولة المستبدة و الدينيين .
- الدولة ستخلع العباءة العسكرية وترتدي عباءة دينية ويصبح الاثنين وجهين لعملة واحدة .

تلك هي ردود فعل الكثير من العلمانيين والديمقراطيين و الحقوقيين الذين اقتصر دورهم على تقييم الصورة وتفسيرها دون أن يشاركوا في رسمها وصنعها . ماذا سيفعل الآخرون بنا ؟ هذا هو السؤال الجوهري .

تذكرت رحلتي الأخيرة إلى إيران ، الشعب أقرب إلى العلمانية في دولة ترفع لواء الدين وسيف الاتوقراطية . أخبرني صحفي إيراني أن السنوات الأولى كانت الأصعب ، سيظل التيار الديني هو الجواد الأسود والرابح طوال بقائه معارضا ومقموعا ، لن يكتشف الناس زيف دعاياته وشعاراته سوى حينما يصبح على المحك وراس السلطة ، يدعم قوتهم استبداد الأنظمة وفسادها ، حين يصبح رافعو الكتب السماوية في الحكم ، سوف تناقش أعمالهم على الأرض ، سوف يقتلون الكثيرين ، سوف يحاولون طرح نظام وضعي مسترشدا بالتعاليم السماوية العامة ، لكنهم سيفشلون .. أنتم المصريين بحاجة لتجاوز خوفكم الشخصي على حياتكم ، بان تمنحوهم حقهم في الحكم طلما أتوا بإرادة الشعب . فإما أن ينكشف زيفهم ، مثلما حدث بإيران أو السعودية أو السودان أو أفغانستان ، وإما نجحوا في بناء حكم خالي من الفساد والقمع ، وإما أن تقبلوا بنموذج الجزائر وتجري السنوات بكم في حلقة جهنمية من العنف .

هو مأزق بالفعل ، أن تراهن على نظام حكم حالي فاسد ومستبد ومغتصب للسلطة بدعوى انه أرحم من نظام الدينيين ، الذي "قد" يقتل العلمانيين والشيوعيين ، ويسجن الليبراليين والقوميين ، ويضطهد الأقباط و الأقليات الدينية الأخرى.

لتعود إلى الصدارة مرة أخرى مقولة تداولها العديد من المواطنين البسطاء أثناء الاستفتاء " اللي نعرفه بكل مشاكله أحسن من اللي منعرفوش " كتبرير لاختيارهم مبارك لفترة حكم جديدة .

آلاف الكتب والنظريات تفنن المثقفين والعلمانيين وغيرهم في دراستها ليصلوا لنفس النتيجة التي وصل لها المواطن البسيط ... مبارك باستبداده وفساد نظامه ارحم من الإسلاميين الذين قد يكونون مثل الوهابيين أو ملالي طهران أو طالبان .

أعارض نظام مبارك الفاسد و أعاني منه ، ولكنى أخشى على حياتي من نظام المرشد العام .
أكره كمال الشاذلي وصفوت الشريف ، وأشعر بالهلع من عبدالصبور شاهين وعصام العريان .
أتطلع لنائب عام و وزير داخلية ووزير عدل مختلفين ، ولا أجد غير أحمد سيف الإسلام البنا ، ومحمد حبيب و عبدالمنعم أبوالفتوح .
أسعى لترسيخ مبادئ العدالة وحقوق الإنسان "كل إنسان" ، وتصدمني الحدود وقطع اليد والرجم وفرض الجزية .
أتمنى الجهر بعلمانيتي فتهددني سجون النظام الحالي ، ودعاوى تكفير المتدينين القادمين .
كلاهما مأزق ، أن تعيش في ظل نظام فاسد ومستبد وينتهك أدميتك ، أو تبارك نظام يقف بالباب قد يطيح برقبتك.
النظام الحالي غير ديمقراطي وليس شرعيا ، والأقرب للشرعية قد يستخدم الديمقراطية لفرض الشورى .
لكننا جزء من هذه البلد ، ساهمنا في رسم هذه الصورة القاتمة ، الصورة لم يرسمها الإسلاميون او الحكوميون وحدهم ، رسمناها جميعا .
وحتى نصبح فعالين ، وحتى نكون متسقين مع أنفسنا ، فلنقبل بإرادة الأغلبية .
لنرفض نموذج الجزائر المتربص ، ونقبل بنتيجة سلبيتنا ، فإذا كانت الأغلبية بإرادتها الحرة ، سوف تأتى بالإخوان ، فهذا خير من نظام فاسد ومنتهك لا أغلبية له .
أن يحكمنا الإخوان المسلمين برغبة الناس ، خير من أن يحكمنا مبارك بالبوليس .
وخير من الاثنين ، لو استطعنا إقناع الناس بحكم علماني ديمقراطي ، يساهمون في فرضه .


جمال عيد
محامي علماني
وحقوقي مصري


تعقيبات
  • المهندس نجدت الأصفري
  • محمد مصطفى



  • جميع الحقوق © محفوظة للمؤسسات الصادر منها المواد المنشورة
    مصرح بنشر اصداراتنا مع ذكر المصدر و الوصلة الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان 2003 - 2004
    المواد المنشورة تعبر عن أراء كتابها ، مؤسسات أو أفراد ولا تعبر بالضرورة عن موقف الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان
    مؤسسات حقوقية تغطيها الشبكة