بيانات إعلامية | تقارير ودراسات | النشرة الأسبوعية | موضوع للمناقشة | خطوة للأمام | المنتدي | أجندة حقوق الإنسان| روابط | دفتر الزوار | الإيميل | عن الشبكة | جوائز حقوقية | حملات | خدمات
الرئيسية »» موضوع للمناقشة »»سجين يستنجد بسجينة
سجين يستنجد بسجينة

محمد عبّو في سجنه يطلب منّي أن أكتب بدلا عنه لا لأنّه عاجز عن الكتابة بل لأنّه أقدر ما يكون عليها ولا يستطيعها فالكتابة ممنوعة في السجن السياسي التونسي ومن يدخل الناس السجن بسبب القلم لا يمكن أن يسمح بدخول القلم السجن.

أن يطلب منّي محمد الكتابة نيابة عنه فهذا شرف عظيم وثقة غالية أعتزّ بها وهو إلى ذلك ورطة ليس من الهيّن الخروج منها. فلا أحد في الدنيا يمكن أن يدّعي القدرة على وضع نفسه في مكان إنسان آخر خاصة إذا تعلّق الأمر بفعل الكتابة عن شخص يحذقها وله فيها تجربة قصوى أوصلته إلى زنزانة من يمقت القلم وله مع الحبر عداوة هي أشدّ من الحبر سوادا.

ومع ذلك فلا مناص من الاستجابة إلى ابني الحبيب ولن يكون هذا المقال كلام محمد بل بعض أشباح مفرداته وأفكاره... في انتظار أن يخرج ويعيد كتابة هذا المقال.
يريد محمد أن أكتب عن السجن التونسي وويلاته التي خبرها خبرة المجرّب بعد أن تعامل معها محاميا ومدافعا عن حقوق الإنسان.

في سجون بلاد الدنيا التي يتحلّى القائمون عليها بالحدّ الأدنى من الإنسانيّة والتحضر، قوانين تطبّق ومراعاة للذات البشريّة تحترم... ولكن كل ذلك من سجن الكاف حيث يحتجز المحامي الحر... ومن باقي السجون التونسيّة التي طبقت سمعتها السيئة الآفاق وصارت موضوعا يدرس أكاديميّا للتدليل على غياب الإنسانيّة ودوس القانون.

منذ أن حلّ محمد بسجن الكاف حيث نقل بصفة لا علاقة لها بالقانون ولا سمعت به أصلا، وجد نفسه في "شمبري" كان فيها سبعون سجينا وأُخليت على "شرفه". ومحمد الذي لا "يتوب" أبدا عن هذه المبادئ التي حملته إلى الكاف، فكّر فورا في نزلاء القاعة الأخرى الذين كان عليهم أن يتكدّسوا فوق بعضهم ليخلوا له المكان لا من أجل راحته بل لينفرد به رباعي من السجناء اختارته إدارة السجن ليزيدوا مرارة سجن محامي الحريّة زين شباب تونس: محمد عبّو.

أكاذيب وافتراءات وسموم تصبّ يوميّا في أذني المحامي السجين حول عائلته ومحاولات بائسة للإيقاع بينه وبين زوجته التي تصون زوجها وأبناءها بصفة منقطعة النظير ولإثارة شكوكه حولها وهي الأطهر من الطهارة.

نصائح مشبوهة للسجين البطل بأن يشتري حريته باعتذار "بسيط" لحاكم البلاد. تهديدات بما ينتظره وينتظر عائلته من أهوال إن هو عاد إلى معارضة فرعون تونس بعد خروجه من السجن... ويا لعجائب الصدف: بعض الخطاب الذي يصبّ في أذني محمد يشبه إلى حد التطابق القاذورات التي يمكن الاطلاع عليها في مواقع الكترونيّة استحدثها النظام.

وبما أن ذلك لم يكف إدارة سجن الكاف لتحسيس محمد عبّو بأنّه في سجن استثنائي فقد تعزّز سكان زنزانته بأربعة سجناء آخرين أحدهم مضطرب نفسانيّا ولا يكف عن قرع الباب والصياح "أخرجوني ! أخرجوني !" بحس الإنسان السليم وخاصة بحسّ رجل القانون والمدافع عن الحقوق حاول محمد المرّة تلو الأخرى الاحتجاج على هذه الحياة السجنيّة غير الإنسانيّة والمطالبة بتطبيق القوانين التي تكفل حقوق السجناء وقد وصل الأمر بمحمد إلى شنّ الإضراب عن الطعام عدّة مرّات أساء معاملته خلالها بالتعنيف الشديد وطبيب السجن بإنكار سوء حالته والشهادة زورا بأنّه سجين في أتمّ عافيته.

أمّا ما أقدم عليه محمد عبّو من خياطة شفتيه علامة على الصمت المفروض عليه فقد كان أمرا من أقسى أنواع الاحتجاج على محنة سجين الرأي في تونس. محمد محامي ويؤمن دائما بالقانون ولهذا قدّم الشكوى ضد الشكوى ولا من مجيب.

يتساءل محمد عبّو في سجنه عن الجدوى من وجود القوانين... وعن الجدوى من إحداث خطة قاضي تنفيذ العقوبات... أمّا حزنه على الخراب الذي أصاب القضاء فلا أحد يمكنه أن يعبّر عنه إلاّ هو... !
وأتساءل أنا عن الجديد الذي رآه محمد عبّو في دوس السلط التونسية للقانون واستخفافها بجميع الأعراف الإنسانية والأخلاقية وهي التي أدخلته السجن بغير قانون وفي مخالفة مشينة لجميع الأعراف الإنسانية والأخلاقية وخاصة الوطنية !

إنّ رجال القانون لا يتوبون عن إيمانهم بسلطته وعسى أن يأتي يوم يرى فيه محمد عبّو مثله الأعلى لدولة القانون وهو يجسد في الواقع فينصفه وينصف غيره من إخوانه المبتلين بالسجن السياسي... وسيكون على تونس أن تتسلح بكثير من البلاغة والصدق للاعتذار له ولهم.

نزيهة رجيبة "ام زياد "
عن مجلة كلمة تونس
http://www.kalimatunisie.com/article.php?id=253





جميع الحقوق © محفوظة للمؤسسات الصادر منها المواد المنشورة
مصرح بنشر اصداراتنا مع ذكر المصدر و الوصلة الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان 2003 - 2004
المواد المنشورة تعبر عن أراء كتابها ، مؤسسات أو أفراد ولا تعبر بالضرورة عن موقف الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان
مؤسسات حقوقية تغطيها الشبكة