بيانات إعلامية | تقارير ودراسات | النشرة الأسبوعية | موضوع للمناقشة | خطوة للأمام | المنتدي | أجندة حقوق الإنسان| روابط | دفتر الزوار | الإيميل | عن الشبكة | جوائز حقوقية | حملات | خدمات
الرئيسية »» موضوع للمناقشة »»"عشان يكسروا عيني"
"عشان يكسروا عيني"

حسام بهجت- 11 أبريل 2007

بعد انتهاء عماد الكبير من الإدلاء بشهادته حول واقعة احتجازه وتعذيبه والشروع في اغتصابه أما كاميرا الهاتف المحمول وجه له رئيس المحكمة السؤال الروتيني التالي: "وما هو تفسيرك لقيام المتهمين بهذه الأفعال في حقك؟"، فجاءت إجابة عماد في نفس درجة الروتينية والبساطة في شرح فلسفة التعذيب البوليسي في مصر: "عشان يكسروا عيني".

كنت أقف إلى جوار عماد أثناء إدلائه بشهادته في جلسة الثاني من أبريل الماضي وأرى فيه وجوه الآلاف من الضحايا الذين تعرضوا لمثل ما تعرض له وأحياناً لما هو أشد. كأنهم جميعاً - الأموات منهم والأحياء- قد اجتمعوا وقرروا الاتحاد والحلول في جسد هذا الشاب الذي لم يتجاوز عمره الثانية والعشرين. قبل أن يكون عماد ضحية جبروت دولة الشرطة كان ضحية النظام التعليمي في عصر مبارك. حيث أخبر عماد القاضي أنه لا يجيد القراءة رغم حصوله على الشهادة الإعدادية تساءلت في نفسي كيف يذهب طفل مصري إلى المدرسة لمدة تسعة أعوام ويخرج منها دون أن يستطيع قراءة لغته الأم. بسبب أمية عماد كانت اللغة ومفرداتها لا تسعفه أحياناً في وصف ما تعرض له بدقة. غير أنه وبرغم أميته كان يلقي بالعبارة تلو الأخرى على نفس درجة البلاغة والدلالة التي لخصها عبارة "عشان يكسروا عيني". كنت أدون بعض عباراته البليغة تلك في مفكرتي وأفكر كيف تلخص هذه العبارات أعواماً طويلة من استشراء التعذيب المنهجي في أقسام الشرطة وتوصف بدقة متناهية علاقات القوى بين الضحايا وجلاديهم في هذا البلد.

تكشف شهادة عماد عن أسباب اختيار بعض ضحايا التعذيب أحياناً للصمت وابتلاع ما تعرضوا له من ألم وإذلال. جمعت إجابته معظم هذه الأسباب حسن سأله القاضي عن سبب تأخره في الإبلاغ عن الواقعة: الخوف من التعرض لمزيد من الأذى (خفت على أخواتي التسعة حضرتك)، أو الشعور بالخزي مما حدث لهم (أنا شاب ومن سوهاج وعندي دم. وقلت أكيد لو سكت مش هينشروا الصور)، أو انعدام الثقة في العدالة (وقلت لنفسي دول حكومة ومحدش خد حقه من الحكومة قبل كده)، والأهم انعدام الثقة في النيابة العامة وحياديتها، حيث اضطر عماد في بداية مشوار شكواه إلى تبرئة الضابط وأمين الشرطة أمام النيابة من تعذيبه وتصويره لسبب واضح: (خفت وكيل النيابة يطلع معاهم لأنه حكومة زيهم).

غير أن قصة عماد وشهادته تكشفان أيضاً كيف يتحول هذا الصمت المنكسر إلى بطولة حقيقة في لحظة انبعاث الأمل في الإنصاف. كان يكفي أ تشهد لحظة وصول عماد إلى المحكمة والتفاف الجميع حوله للاحتفاء به، بدءاً من المحامين والصحفيين وأصحاب القضايا الأخرى وانتهاءاً بموظفي المحكمة بل وحتى حراسها من الجنود. كان واضحاً كيف يرى الجميع في عماد بطلهم في انقلاب غير عادي على مفاهيم الذكورة والرجولة التي راهن جلادو الشرطة عليها حين قرروا إذلال عماد جنسياً أمام الكاميرا. حتى عندما انهمرت دموع عماد غزيرة أثناء سرده لوقائع تعذيبه كان وجهه لا يخلو من عزة وقوة صاحب الحق. أي فارق بين وجهه المضيء بالقوة والأمل - أو بقوة الأمل- هنا وبين وجهه الأليم الصارخ في فيديو تعذيبه وهو يستعطف الجلاد كي لا يقوم باغتصابه بعصاه الغليظة.

تبدو من شهادة عماد أيضاً درجة جبروت الشرطة وثقافة الحصانة السائدة بين ضباطها بل وأمنائها. فالذين ألقوا القبض على عماد وضربوه واصطحبوه إلى نقطة شرطة ناهيا في البداية كانوا أمناء شرطة تموين (!) كانت كل جريمة عماد أنه سألهم عن سبب توقيفهم لابن عمه سائق عربة توزيع أنابيب الغاز. حين وصولهم لنقطة الشرطة قال الأمناء لضابط النقطة حسن سألهم عن سبب القبض على عماد أنه (بيتكلم معانا)! كان هذا فعلاً سبب القبض على عماد. والضابط لم يستغرب السبب فكان رده عليهم حسب رواية عماد (اعملوا فيه اللي انتو عاوزينه). ولم يكن تعرض عماد بعدها للجلد ومحاولة الاغتصاب في قسم بولاق بغرض حمله على الاعتراف بأي جريمة، بل كان مجاملة من ضابط مباحث القسم لأمناء الشرطة الذين جرح كبرياءهم قرار النيابة العامة بالإفراج عن عماد بكفالة رغم أنه (بيتكلم معانا). عد حالات التعذيب كمجاملة التي تصل إلى منظمات حقوق الإنسان في تزايد مستمر بعد أن تحول التعذيب من منهج إجرامي في التحريات والتحقيقات إلى منهج حياة بالنسبة لغالبية ضباط الداخلية.

ولكن هذا الجبروت سرعان ما تحول إلى انكسار عندما أصبح مستقبل الضابط رهناً بتنازل عماد عن شكواه. انظر مثلاً ماذا حدث عقب قيام عماد في البداية بتبرئة الضابط أمام النيابة تحت الضغوط: قام الضابط المتهم باصطحاب عماد إلى مكتبه بالقسم وأخرج من درج المكتب قطعة حشيش عرض على عماد أن يقوما سوياً بتدخينها داخل مكتبه احتفالاً بانتهاء الموضوع! واقرأ كلمات الضابط - الذي ما زال عماد يسميه (إسلام بيه نبيه) - لعماد كما وردت في شهادته بالنص: (أنا مش هانسى اللي انت عملته معايا أبداً. ربنا يقدرني وأرد لك جميلك. أنا أبويا مدير أمن أسيوط وهاساعدك. لو عايز تسيب البلد أنا هاسفرك. الوزراة بتاعتي اتخلت عني وانت اللي أنقذتني).

هذه في رأيي هي النقطة الأهم في شهادة عماد. لحظة الانكشاف والضعف المطلق التي شعر بها الضابط حين علم أن الداخلية قررت التحقيق في شكوى عماد. سكوت الداخلية عن جرائم ضباطها والحصانة التي تمنحها لهم هي سبب انتشار التعذيب المنهجي في أقسام الشرطة المصرية. ولكن الداخلية لم تتخل عن ضابطها الشاب بسهولة. فقد روى عماد أمام المحكمة كيف قام كبار الضباط عقب تقديمه الشكوى بتهديد أهله وأشقائه بدرجة ملفتة من الحقارة: (قالوا لي خاف على اخواتك البنات. احنا مش بنبيع ولادنا. تنازل أحسن لك. اللي حصل لك ده ولا حاجة. إحنا بنجيب الخرا نوكله للناس في سندوتشات)!

ولكن القضية تحركت بدعم من الصحافة المستقلة ومنظمات حقوق الإنسان. وعين عماد لم تنكسر كما أراد لها جلادو الداخلية. جلسة شهادة عماد كانت أهم كثيراً من نتيجة المحاكمة. لحظة إنصاف عماد الحقيقية كانت في الثاني من إبريل حين وقف يدلي بشهادته محاطاً بمناصريه، بينما وقف الضابط المتهم داخل القفص شارد الذهن وقد وضع حرس المحكمة أمامه حارساً ليخبئ وجهه من عدسات المصورين. لا أستطيع تخيل لحظة توضح الهوة الشاسعة بين (نحن) و(هم) أبلغ من تلك اللحظة. عماد كسب القضية. مبروك!

تم نشره بجريدة الدستور 15 ابريل 2007





جميع الحقوق © محفوظة للمؤسسات الصادر منها المواد المنشورة
مصرح بنشر اصداراتنا مع ذكر المصدر و الوصلة الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان 2003 - 2004
المواد المنشورة تعبر عن أراء كتابها ، مؤسسات أو أفراد ولا تعبر بالضرورة عن موقف الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان
مؤسسات حقوقية تغطيها الشبكة