بيانات إعلامية | تقارير ودراسات | النشرة الأسبوعية | موضوع للمناقشة | خطوة للأمام | المنتدي | أجندة حقوق الإنسان| روابط | دفتر الزوار | الإيميل | عن الشبكة | جوائز حقوقية | حملات | خدمات
الرئيسية »» موضوع للمناقشة »»تدمير معنى السّياسة
تدمير معنى السّياسة

"السّؤال المطروح عن معنى السّياسة، توجد إجابة عنه تتّسم ببساطة وقدرة على الإقناع، بحيث أنها تغنينا عن غيرها : هذه الإجابة هي التّالية : معنى السّياسة هو الحرّيّة." حنّا أرندت

هل انتقلنا بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر من سؤال شغلنا سنوات وعقودا حول "أزمة الخطاب السّياسيّ العربيّ" إلى حالة انعدام الخطاب واستحالته؟

فرغم ما يردّده البعض بخلفيّة شمولية عن "الصّحوة" التي أدّت إليها هذه الأحداث، وعن يقظة "ضمير الأمّة"، ورغم زعم البعض الآخر من "المستنيرين" السذّج بأنّها قد فتحت الباب على مصراعيه للتّحوّل نحو الدّيمقراطيّة، وبرغم ترسانة المساحيق البلاغيّة التي تستنجد بها كلّ انواع السّلطات لإدامة علاقات الهيمنة، فإنّ ما نعيشه الآن يبدو أقرب إلى موت السّياسة وخطابها في بلداننا. فما تقترحه هذه الأطراف على اختلافه الظّاهريّ لا يرقى إلى مرتبة الخطاب السّياسيّ الذي يبني ثقافة سياسيّة نقديّة تتعامل مع الحدث وتحوّل الوعي به إلى فرص تاريخيّة لإبداع أنماط للتّحرّر الفرديّ والجماعيّ ولاحتضان عمليّة التّنمية والمساعدة في بلورة مساراتها.

إنّنا أمام بلاغة تكرّر إنتاج المسلّمات نفسها والثّنائيّات نفسها : ثنائيّة الخير والشرّ والأصدقاء والأعداء والوطنييّن والخونة والمؤمنين والعلمانييّن والإسلام والغرب والاستسلام والمقاومة... وتجد هذه البلاغة فسحة في العديد من الفضائيّات والصّحف والمواقع الإلكترونيّة العربيّة لتصنع بوسائل الحداثة الإلكترونية جنودا تدفع بهم إلى حروب وصراعات اللامعنى والعدم.

أمام هذا المشهد الشّموليّ، تتحوّل كلّ تجارب التحرّر التي تدعو إلى رؤية الحدث السّياسيّ في تعقّده وإلى بناء أنماط للنّهوض بحقوق الإنسان وللتّحوّل الدّيمقراطيّ، تتحوّل إلى معان مشبوهة يكفّر أصحابها ويلاحقون بتهمة الخروج عن الجماعة. بل إنّ بعض هذه التّجارب استبطن آليّات المشهد الشموليّ ليتحوّل بدوره إلى دعوات تبشيريّة بالدّيمقراطيّة وحقوق الإنسان منفصلة عن رؤيتها السّياسيّة عاجزة بدورها عن التّحوّل إلى قوّة إبداع واقتراح تتصدّى بالنّقد لسلطة البلاغة الشموليّة وتؤسّس لخطاب سياسيّ تحرّريّ.

سلطات المشهد السّياسيّ السّائد في البلدان العربيّة، المجسّدة في الأحزاب الحاكمة الحريصة على مصالحها وبعض أحزاب المعارضة الدّينيّة أو غير الدينيّة والمنظمات "الجماهيرية" التقليديّة المهيمنة إعلاميّا تحوّلت إلى أدوات منفلتة عن الواقع، فهي تحصر الخطاب السّياسيّ في ردّات الفعل العاطفيّة وفي تهييج النّاس وتأليبهم ضدّ عدوّ غير منظور يمنعهم من تحليل الظواهر والنّظر في أوضاع وجودهم . إنّنا أمام مشهد يؤدّي فعليّا إلى كره السّياسيّ كأفق للتفكير العمليّ ويقترح الاستكانة إلى المطلقات والمشاريع الغائمة. إنّه المشهد الذي يدفع بأفواج متجدّدة أبدا من المتسيّسين والمثقّفين والإعلاميّين إلى نصرة قيم الحكم المطلق والفساد أو مواجهة هذه القيم ببلاغة قد تبدو في الظاهر جريئة ولكنّها لا تمنح "الجماهير" غير البكائيّات المهووسة التي تدفعهم إلى اليأس أو المواعظ التي تستغلّ بساطتهم لتجعلهم يستكينون إلى المشاريع الشّموليّة المستحيلة.

فالمتامّل في بعض الأحداث التي شهدتها البلدان العربيّة في الفترة الأخيرة وفي طريقة تعامل بعض النّخب السّياسيّة والإعلاميّة معها يقف على هذا التّدمير لمعنى السّياسة، ولاختزالها في المطلقات، كما يقف أيضا على تغييب لمفهوم الثّقافة السّياسيّة.

ومن الأمثلة الدّالّة على محاصرة الخطاب السّياسيّ وثقافته التّعامل مع حدث احتلال العراق. إنّ أكثر التّحليلات تختصر التّعامل مع الحدث في ثنائيّة مع الاحتلال أو ضدّه، وتسبغ على هذه الثّنائيّة قدسيّة تجعل الباحث في الوضع مطالبا بالتّعاطي العاطفيّ مع المسألة وباختيار موقع له في جوقة المزايدات الكلاميّة. فلا نكاد نعثر بالتّالي على محاولات جديّة للبحث في أعماق تحوّلات المجتمع العراقيّ تحت الاحتلال، ونقصد بذلك رصد الخطاب السّياسيّ الذي تشكّل بعد زوال النّظام السّابق، ونوعيّة التّحالفات التي تعقد بين الفرقاء السّياسييّن وأثرها الحقيقيّ في المجتمع، والدّور الذي قد تقوم به الانتخابات والدّستور الجديد في تطوير الوعي السّياسيّ إيجابا أو سلبا، ومدى وجود بحث عميق حول امكانية بلورة اسئلة الديمقراطية تحت الاحتلال في العراق. كما أنّنا نجد تجاهلا لتحليل مواقف الحركات السّياسيّة من أجندة مصالح قوات الاحتلال، وهي مواقف متعدّدة ومتناقضة تنبع من رؤية منفعيّة يمنعنا التّناول العاطفيّ للمسألة السّياسيّة من تبيّن معانيها.

وتتّفق أغلب التّحليلات التي تتناول الوضع العراقيّ على استبعاد الجانب الحقوقيّ رغم أنّه أداة هامّة في فهم هذا الوضع. فما عدا بعض الشّهادات الصّادرة عن أفراد أو منظّمات عراقيّة ودوليّة، توجد مظاهر عديدة لا تكاد تحظى بالتّحليل المعمّق، منها الخطابات الطائفيّة والممارسات المرتبطة بها والتي بلغت حدّ التطهير العرقيّ ومنها انتهاك حقوق النّساء الذي يكرّسه الدّستور الجديد وإقصاؤهنّ من العمليّة السّياسيّة وانتهاك الحقّ في المشاركة السّياسيّة، ودور منظّمات المجتمع المدني النّاشئة في التّحوّلات التي يشهدها المجتمع ومسألة التنمية وتوزيع الثّروات والفساد المرتبط بالثّروات النّفطيّة. كما لا يتّسع مجال الخطب السّياسيّة والتّعليقات الإعلاميّة لتقديم شهادات عن الحياة اليوميّة للعراقييّن والعراقيّات في لحظات حياتهم المنتزعة من منطق الموت السّائد وسعي فتيانهم وفتياتهم إلى الحلم بلغة تصنع لهم موقعا من الوجود يتجاوز العنف المحيط بهم. فأين يا ترى الشّباب الباحث عن الحقّ في الأمن والتّعليم والصحّة والعمل والمشاركة في صنع القرار والحريّة الفرديّة من كلّ هذه الأصوات التّي تلخّص الوجود العراقيّ في ثنائيّة المقاومة المقدّسة أو الاستسلام المطلق؟

وبدل البحث عن أنساق واقعيّة تضع كلّ هذه الرّغبات في إطار مسارات للتّحرّر الجماعيّ والفرديّ وتبدع لغة وثقافة سياسيّة جديدة، فإنّ الدّعوات العاطفيّة تسجن المشهد العراقيّ في البحث الأبديّ عن البطل الأسطوريّ المخلّص الذي سينبعث من رماده ليقود الجموع نحو الجنّات الموعودة بعد ان يأخذ بثأره من الكفرة والصّليبييّن. لقد أصبح الحدث العراقيّ مجالا لاستعادة ثقافة سياسيّة قديمة تحصر الفرد والمجموعة في انتظار القدرة الفرديّة المجسّدة في بطل ينتظر الكلّ إنجازاته وانتصاراته ويعلّق عليها مصيره. إنّنا في حاجة أكثر من أيّ وقت مضى إلى الخروج من هذا المنطق وإلى اعتبار المثال العراقيّ فرصة لتغيير رؤيتنا للثّقافة السّياسيّة وبناء أنساق للتّحرّر تقوم على حقوق الفرد والجماعة لا على استيهامات بعض مثقّفي الفضائيّات العربيّة الذين ينعمون بهوامش الحريّات في "البلدان الكافرة"، ويبحثون عن ثورات وبطولات بالإنابة.

لقد استبشرنا خيرا بإنشاء الفضائيّات التّلفزيونيّة العربيّة واعتبرناها أداة لفتح آفاق للحريّة والتّحرّر لأفراد وشعوب طالما كانت تعاني من الرّأي الواحد ومن طغيان صورة البطل المنزّه الصّانع وحده للتّاريخ. ولكنّ الأحداث الأخيرة علّمتنا أنّ بعض الأدوات الإعلاميّة قد تناست أنّ الإعلام لا يعني فقط الإخبار، بل إنّ وظيفته في الحالة العربيّة هي أن يصنع رؤية لثقافة سياسيّة مختلفة تعتمد بناء الفكر النّقديّ. لقد تحوّلت بعض هذه الفضائيّات في السّياق العراقيّ إلى أدوات دعاية للإرهاب يقتصر دورها على بثّ تسجيلاتهم الهاذية ودعوة مجموعة من المعلّقين لتحليل "أفكارهم" بدون اتّخاذ أيّ مسافة إيطيقيّة ونقديّة من خطابهم الكليانيّ المرعب. فهل يدرك الإعلاميوّن أنّهم بمنطق السّبق الصّحفيّ إنّما يصنعون جيلا كاملا من الشباب الذي لا يحصل على ثقافة سياسيّة حقيقيّة ويستبدل عشق الحياة برغبة العدم؟

ولقد تناست أغلب التحليلات أن احتلال العراق قد يمثّل فرصة كذلك لطرح معمّق لتحوّلات مفهوم حقوق الشّعوب في علاقته بالتّحوّل الدّيمقراطيّ بما يعنيه من ضرورة الرّبط المبدع في إطار التّجربة التّاريخيّة بين الحقّ في تقرير المصير وإعمال الحقوق الفرديّة والجماعيّة. وهو فرصة كذلك لاستعادة البحث النّقديّ في آليّات النّضال من أجل حقوق الشّعوب واستراتيجيّاتها واقتراح معالم ثقافة سياسيّة في المجال تركّز على مفهوم المشروع التّحرّري الوطنيّ المبنيّ على المشاركة الشعبيّة، وتحرّره من جعل حقوق الشّعوب مرادفا للشّعارات الجوفاء والمؤامرات.

وتتجلّى أزمة الخطاب السّياسيّ بقوّة في التّعامل مع ظاهرة الإرهاب. وتنحصر أغلب التّحليلات بين تبرير الإرهاب وربطه بالحق في تقرير المصير او التملّص من اتخاذ موقف معرفي وأخلاقي واضح بدعوى عدم وجود تعريف للإرهاب متّفق عليه دولياّ. وفي كلتا الحالتين يسجن الإنسان العراقيّ في نوع خطير من قلب المفاهيم وتنزع عنه إنسانيّته بصفته "ضحيّة" ويتحوّل إلى مجرّد رقم في سلسلة الموت التي تعتمدها البلاغة السّياسيّة لتصنع تحليلاتها المفرغة من الهمّ الإنسانيّ. إنّ هذا الابتذال لفظائع الإرهاب لا يخدم في النّهاية سوى "الأمجاد" الخاصّة لوعاظ السياسة الجدد ومحترفي التّحليل السّياسي ومصالح بعض مراكز البحوث والإحصاء ووسائل الإعلام. أما الضحية العراقية فإنها تترك لعراء مصيرها وتفنى بين كمّاشة إرهاب الدّولة وكمّاشة إرهاب الجماعات المسلّحة التي تبشّر بعالم الصّفاء.

إنّ ابتذال ظاهرة الإرهاب دليل آخر على فراغ الثّقافة السّياسية السّائدة وعدم قدرتها على استعادة العمل المعرفي والقانوني والأخلاقي الكبير الذي قامت به منظمات حقوقية منذ ثمانينات القرن الماضي. لقد حاولت هذه المنظمات ان تعرّف مسؤولية الدّولة في احترام التزاماتها في مجال حقوق الإنسان والامتناع عن ممارسة الإرهاب المنظّم ضدّ رعاياها ورعايا الدّول الأخرى. كما قامت المنظّمات في حالات عديدة بالتّفكير في مسؤوليّة الجماعات المسلّحة والأفراد محاولة التّفريق بين المقاومة المشروعة والإرهاب. ولقد حاولت اجتهادات هذه المنظمات أن تجمع بين محاولة البحث المعرفي وفضح ممارسات الإرهاب أيا كان مصدرها.

وتبدو مسؤؤليتنا التاريخية اليوم كبيرة في استعادة أسس ثقافة سياسية تقوم على حقوق الإنسان وتعيد تعريف المفاهيم وتعيد إحلال القيم الأخلاقية الأساسية في جوهر الخطاب السياسي. ولعل هذه المسؤولية تكتسي مصداقية أكبر حين تهجر الابتذال والتّعميم وتضيف محتوى ملموسا للخطاب.
يتمثل التحدي الأهم اليوم في الانتقال إلى مقاربة مرتكزة على "الضحية". ولعل المثال العراقي فرصة لتفكيك أسس خطابنا السياسي ومواجهة كل أشكال انتهاكات الحريات الفردية والجماعية ببناء معرفة وممارسة قائمتين على مفهوم الكرامة الفردية التي هي أساس تحرّر الشعوب.

إن الخلط المقصود بين جريمة الإرهاب ومقاومة أشكال التسلط، إضافة إلى إقصاء الضحية من الخطاب السياسي سيؤدي في نهاية الأمر إلى تربية أجيال انتزعت من أرواحها القدرة على تحليل وضعها الإنساني. أجيال تستسهل جريمة قتل الآخر بعد أن أصبحت غير قادرة على إدراك الكرامة المتأصّلة فيه.

إن حصر الخطاب السياسي في الثنائيات المتضادة والمتصارعة عند تناول الإشكاليات التي طرحها الاحتلال، سيحول العراق إلى فضاء لاستيهامات البلاغة السياسية القديمة. فيتحول صراع المصالح المحلية والاقليمية والدولية الهائل الذي يجري في أرض العراق إلى صراع بين الخير والشر وبين الكفار والمسلمين وبين الغرب والأمة. كما يتحول العنف بمظاهره وأسبابه العميقة إلى مجرّد صراع بين إرادة المقاومة والخيانة. وتؤدي هذه الثنائيات في نهاية الأمر إلى إقصاء الإنسان العراقي وتطلعاته من دائرة المصالح واعتباره مجرد كتلة تخدم مصالح الفرقاء.

لقد أبرز احتلال العراق خطر استعمال مفاهيم حقوق الإنسان والديمقراطية في تبرير الهيمنة وعنف المصالح. ولكن مواجهة ازدواجية المعايير في العلاقات الدولية لا يتأتى بالسقوط في فخ استراتيجية التسلط التي تسعى إلى التشكيك في إمكانية قيام العدالة الدولية وإلى حرمان ضحايا التهميش والاقصاء والعنف من أدوات التحرّر التي توفرها قيم وتجارب الديمقراطية وحقوق الإنسان. فالأصوات التي تنادي بإقامة عدالة السماء أو عدالة الفرد المنقذ لمداواة جراح الجموع وخيباتها المتتالية، تمهد في حقيقة الأمر إلى إقامة أنماط أخرى من اللاعدالة والهيمنة. كما أن اللعبة البلاغية الخطرة التي يمارسها بعض "الديمقراطيين" العرب الذين يتبارون في نقد تسلّط حكامهم ولكنهم في الوقت نفسه يتباكون على موت "القائد" في العراق، ستؤدي في نهاية الأمر إلى مزيد من الإرباك للوعي السياسي.

فبدل أن نزاوج بين التّمسّك بحقوق الإنسان ونقد ازدواجيّة المعايير في هذا المجال، ونطوّر منهجا للنقد المتواصل لأنساق الهيمنة، نستخدم "ازدواجيّة المعايير" أو "انفصامها" شمّاعة جديدة، نعلّق عليها إحباطاتنا السّياسيّة ونتّخذها في الوقت نفسه تعلّة للتّملّص من الدّفاع عن حقوق الإنسان باعتبارها في الأساس تمسّكا بالكرامة والحرّية.

ويبدو ضياع الخطاب السّياسيّ والثّقافة السّياسيّة في حدث آخر هو قضيّة الكاريكاتور "المسيء للرّسول". لقد أبرز الحدث عمق التّحوّل الذي شهدته البلدان العربيّة في السّنوات الأخيرة. أبرز اضمحلال المثقّف ودوره السّياسيّ النّقديّ في المجتمع وتعويضه بمهمّة الواعظ الذي ينصبّ همّه على تحريك الجموع وتجنيدها عاطفيّا ضدّ "الآخر"، وإعدادها إيّاه لمواجهات وصدامات حضاريّة وثقافيّة ودينيّة متخيّلة تحجب عن النّاس القدرة على تحليل الواقع الوطنيّ والإقليميّ والدّوليّ في تعقّده. لقد ملأ الواعظ الفراغ الذي تركه غياب القائد الملهم والمخلّص، والفراغ النّاتج عن عجز الحركات السّياسيّة المعارضة عن إبداع أنماط تحرّر من سلطة الواحد. وتبرز خطورة ظاهرة الواعظ على الوعي السّياسيّ في كونها تمحو الفواصل والحدود بين أدوار الفاعلين الأساسييّن في المجال السّياسيّ. فالواعظ قد يكون الداعية الدينيّ أو القائد السّياسيّ أو المثقّف أو الإعلاميّ أو بعض رموز منظّمات المجتمع المدنيّ في بعض الأحيان. ويؤدّي هذا الخلط في الأدوار إلى سيطرة بلاغة سياسيّة جمعيّة تعتمد الهيجان العاطفيّ وردّ الفعل بدل الفعل الواعي القائم على وضوح الأدوار والخطابات. كما أنّ من نتائج هذا الخلط استلاب وعي العرب وتدمير قدرتهم على تمييز جوهر الأحداث السّياسيّة وتطوير رؤية نقديّة لها بعيدا عن المصالح الضيّقة لهذه الفئة الجديدة من الوعّاظ.

لقد تحوّل الوعّاظ إلى سلطة في المشهد السّياسيّ العربيّ. إنّها سلطة سلبيّة تتغذّى من الجهل السّياسيّ المعمّم كما تتغذّى من موت الخطاب النّقديّ . سلطة تسعى إلى إدامة سيطرتها على العقول لا من أجل مصلحة من تخاطبهم بل من أجل خدمة صورتها ونجوميّتها. فكيف يمكن تفسير السّيناريو الذي آلت إليه مسألة الكاريكاتور : فهؤلاء الوعّاظ بعد أن ألهبوا حماس الجماهير ضدّ الكاريكاتور والغرب الكافر الذي أبدع حرّية الرّأي والتّعبير قد انبروا يتنافسون من أجل الحوار مع البلدان "المتّهمة" بإساءتها للإسلام ورسوله. فمن يقف خلف هؤلاء في حملاتهم المطلقة ضدّ الغرب تارة وفي الدّعوة إلى الحوار والتّسامح طورا؟ إنّنا أمام سلطة جديدة ومطلقة تسعى إلى محو مفهوم المثقّف العقلانيّ والنّقديّ لصالح الواعظ الذي يستبدل منطق السّياسة بمنطق الدّعاية لصورته باعتباره مدافعا أوحد عن ثوابت الأمّة وقد وقع تصعيدها إلى مفهوم مجرّد يستعصي على الإدراك وينفي تعدّد الواقع الوطنيّ والإقليميّ والدّوليّ والمصالح الحقيقيّة التي تعتمل داخله.

لقد بيّن لنا حدث الكاريكاتور أنّنا أمام فاشيّة حقيقيّة تحاصر كلّ محاولة لتحليل الخطاب الجمعيّ واستيهاماته وتمنع كلّ مجهود نقديّ لرصد مراكز القوّة في العالمين العربيّ والإسلاميّ. هذه الفاشيّة استغلّت عواطف الجماهير ورفعت شعارات الدّفاع عن الدّين لقيادة معركتها الخاصّة ضدّ بعض القوى الدّوليّة.

كان الهجوم على حقوق الإنسان مرّة أخرى أداة استعملت من أجل مصارعة المفهوم المطلق والشّيطانيّ الذي بنته ذهنيّتنا الجمعيّة في علاقتها بالغرب كمفهوم مطلق غير قابل لأن ينزّل في السياق التاريخيّ. فلم تعد حقوق الإنسان وحرية التعبير أحد أهم مظاهرها المطلب الإنسانيّ المشترك الذي نسعى إلى إعماله من أجل تطوير وضعنا الإنسانيّ وتفكيك خطاب الهيمنة في بلداننا وبناء أمثلة الكرامة والحرية والعدالة والمساواة، بل تحوّلت بقدرة الوعاظ وآلة الدّعاية إلى أداة جهنّميّة سيدمّر بها الغرب الصّليبيّ حضارتنا المشرقة. لقد أبرزحدث الكاريكاتور حالة الانفصام الرّهيبة التي أصبحت عليها شعوبنا في غياب ثقافة سياسيّة حقيقيّة. فالشعوب التي تطالب بحقّها في الرّفاه والدّيمقراطيّة، وحقّها في التّخلّص من سلطات الهيمنة والفساد هي ذاتها التي يحملها منطق التهييج الأعمى إلى مهاجمة مثل حقوق الإنسان والدّيمقراطيّة وإلى اعتبارها عناصر دخيلة على ثقافتها مهدّدة لمكتسباتها. كما تتجسّد حالة الإنفصام في كذب سلطة الدّعاية والوعظ على شعوبها. إذ هي تجنّد النّاس ببلاغتها ضدّ حقوق الإنسان ومفاهيم الدّيمقراطيّة باعتبارها مفاهيم غربيّة غازية وتمجّد في ذات اللّحظة مفاهيم الحوارالثّقافيّ والدّينيّ والحضاريّ والتّسامح. فهل يمكن للمحاور والدّاعي إلى التّسامح أن يقوم بدوره التّاريخيّ بدون وجود أفق لحرية الرّأي والتّعبير، وبدون القبول باعتبار هذه الحريّة هدفا مطلقا؟ وهل يمكن للأفراد والشّعوب أن تدافع عن حقّها في الحوارفي إطار المساواة مع بقيّة الشّعوب إذا كانت ترزح تحت أنساق التسلّط والجهل؟

ليس الحوار مع الآخر الحاضر في الواقع التّاريخيّ مفهوما غيبيّا، بل هو نتاج عمل دؤوب، وثمرة مسارات تبدأ ببناء قدرة الإنسان على تحليل واقعه والمشاركة في صنع القرار. والقدرة على تحليل الواقع تعني فهم تحوّلات المصالح والقوى التي تتحكّم في صياغة القرار. والمشاركة في صنع القرار تعني امتلاك القدرة على اقتراح سياسات لإصلاح الواقع وتحويله اعتمادا على مبادئ حقوق الإنسان والدّيمقراطيّة.

لقد بيّن حدث الكاريكاتور كذلك حجم فاجعة بعض دعاة حقوق الإنسان والديمقراطية وقصور حركتهم عن القيام بدورها الإيطيقيّ في خضمّ هذا الارتباك الحضاريّ المعمّم. فأمام العنف الرّمزيّ الذي مارسته بلاغة الدّعاية والوعظ، وأمام فاشيّتها المطبقة على العقول اختارت النخبة عموما لغة تبريريّة متلعثمة لا تقدر على تفسير الحدث وأبعاده من منظور حقوقيّ. فهل ترتفع تصريحات البعض إلى مستوى الأفق التّاريخيّ للحدث حينما يؤكّدون أنّهم براء من انعكاسات المسألة لأنّهم لا يتلقّون تمويلات من الدانمارك للقيام بانشطتهم؟ وهل يمكن للبعض الآخر أن يفهم تبعات موافقته على دعوات بلورة أدوات دوليّة لإحكام الرّقابة على حرية الرّأي والتّعبير؟ وهل يمكن لهؤلاء أن يقدّروا انعكاسات هذا الموقف على وضع حقوق الإنسان في المستويين العربي والدّوليّ، وأن يتصوّروا إمكانية استغلال هذه الدعوات لمزيد تضييق الخناق على الحريات في بلداننا؟

لقد اختارت الأغلبيّة من المثقّفين منطق الاستكانة لتيّار الوعظ طلبا للسّلامة وسعيا للحفاظ على موقع في التوزيع الحالي للأدوار الاجتماعية والسياسية، في حين كان بإمكانهم اقتراح قراءة أخرى للحدث، وكان بالإمكان اعتباره فرصة تاريخية لنقد مسلمات الدعاية السياسية السائدة وكشف حجب الكذب المتلفع برداء الدين والأمة وبلورة خطاب حقوقي تربوي يساعد على فهم الواقع في تعقده وتعدد معانيه. فهل نسي البعض أن التربية على حقوق الإنسان ليست مجرد تقنيات تختبر في قاعات الندوات والتدريب بل هي أداة لتحويل الخطاب السياسي السائد وتغييره ونقد مسلماته اعتمادا على مبادئ حقوق الانسان؟ هل نسوا أنّه عمل شاق ودؤوب من أجل نقد المسلمات واقتراح أنماط تاريخية للتحول الفكري والإجتماعي في لحظات تاريخية معينة؟

عبد الباسط بن حسن
ناشط حقوقي -تونسي
نقلا عن موقع : الآوان
http://www.alawan.com/index.php?option=com_content&task=view&id=131&Itemid=10
بالاتفاق مع الكاتب





جميع الحقوق © محفوظة للمؤسسات الصادر منها المواد المنشورة
مصرح بنشر اصداراتنا مع ذكر المصدر و الوصلة الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان 2003 - 2004
المواد المنشورة تعبر عن أراء كتابها ، مؤسسات أو أفراد ولا تعبر بالضرورة عن موقف الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان
مؤسسات حقوقية تغطيها الشبكة