بيانات إعلامية | تقارير ودراسات | النشرة الأسبوعية | موضوع للمناقشة | خطوة للأمام | المنتدي | أجندة حقوق الإنسان| روابط | دفتر الزوار | الإيميل | عن الشبكة | جوائز حقوقية | حملات | خدمات
الرئيسية »» موضوع للمناقشة »»وقائع ملجإ أيتام بغداد... الحرب على الأطفال في مجتمعاتنا الهرمة
وقائع ملجإ أيتام بغداد... الحرب على الأطفال في مجتمعاتنا الهرمة

كان اكتشاف ملجإ الأيتام في بغداد لحظة رعب مطلق.
صورة أولى تظهر أشباح هياكل عظميّة عارية تتوسّد الأرض في وضع الأجنّة، وهي مقيّدة بالسّلاسل إلى أسرّة مرتّبة بعناية. أشباح لا عمر لها تحيط بها فضلات بولها وبرازها من كلّ جانب. صورة ثانية لمربّيتين عراقيّتين بلباس الحشمة الدّينيّة، تقفان في لقطة تذكاريّة أمام أكداس اللّحم الطفوليّ وتعلو وجهيهما ابتسامة غامضة، قد تذكّرنا بصورة الجنديّة الأميركيّة المبتسمة بزهو أمام أكوام لحم سجناء أبو غريب. ثمّ صورة ثالثة لمخزن طعام، مستورد على الأرجح، صفّفت علبه الجميلة بحرص تاجر حاذق. هذا الطّعام الذي يباع في الأسواق ويحرم من نعمته أطفال الملجإ.

ثمّ تتوالى صور المشهد الثّاني. صورالدّعاية للجنود الأميركان الذين اكتشفوا الملجأ وهم يمسكون بأيدي الأطفال يلاطفونهم ويلاعبونهم ويدرّبونهم على الخروج من وضع الموت التّدريجيّ الذي كانوا يعيشونه. فأمام قسوة عاشها الأطفال لفشل مشروع الدّولة العراقيّة، تنتصب قسوة دعاية حربيّة تحاول التّغطية على فشل مشروع الاحتلال باستعمال آلام الأطفال.

مشاهد لا تبعث على الرّعب لأنّها تقدّم صورا خاطفة كاشفة عن قدرة الإنسان على القسوة المطلقة والمجانيّة فحسب، بل لأنّها تذهب بعيدا في ذاكرة جرائم التّاريخ التي يحاول البعض عبثا نسيانها. فالطّفل هو الكائن الأكثر ضعفا وهو الضّحيّة المثلى نتيجة حاجته الشّديدة إلى الآخرين. وهو هنا يقف شاهدا صامتا بلا سند يعينه على فهم ما يدور حوله، وما يعيشه. ويقف جسده المستباح شاهدا على الحدود القصوى التي يمكن أن يبلغها امتهان كرامة الإنسان وإنسانيّته.

مشاهد انتزاع انسانيّة الإنسان عن أطفال ملجإ بغداد تذكّرنا بمشاهد أخرى خلّدتها صور أطفال معتقل أوشفيتز النّازي، وأطفال ملاجئ النّاجين من مذابح نهايات القرن الماضي في روندا والبورندي والبوسنة والهرسك، وأطفال ملجإ رومانيا الذي اكتُشف بعد سقوط نظام شاوسيسكو. ملجأ أطفال بغداد يحرج ذاكرتنا ويربك وثوقيّة هويّتنا التي ندّعي أنّها هويّة "خير أمّة" ليضعنا أمام حقيقة عارية وهي أنّ القسوة وامتهان كرامة البشر ممارسات لا هويّة لها ولا تختصّ بها شعوب دون أخرى. إنّ مجتمعاتنا قادرة هي كذلك على إنتاج وحوشها وغيلانها التي تعذّب وتقتل وتستبيح القيم.

وفي كلّ هذه اللّحظات التّاريخيّة القصوى يبدو الطّفل بجسده الضّعيف وأنّاته شاهدا على مآل المشاريع الشّموليّة التي بشّر من خلالها عالم الكبار بحلّ مآزق العصر واشكاليّاته. فبناء عالم الغد النقيّ والصّافي على أساس منطق القوّة والعنف والحرب هو المدخل لاغتيال طفولة عالمنا.

وفي السّلم أيضا حرب على الأطفال
يتجسّد رعب ملجإ أطفال بغداد في أنّه استعمل أشدّ فنون العنف قسوة وسخريّة لنزع كلّ مظاهر بشريّة الأطفال. لقد أعادتهم مؤسّسة "الرّعاية" إلى مرحلة ما قبل تشكّل تاريخهم الفرديّ وسجنتهم في حالة التوحّش والحيوانيّة. لقد عطّلت المؤسّسة مرحلة الطّفولة بكلّ ما تعنيه من البحث عن مسكن للعاطفة والحنان، وتدرّب على الكلام، واللّعب مع اللّغة وباللّغة، واكتشاف عوالم المعرفة بالذّات والعالم وانفتاح على امكانات بناء التّواصل والاختلاف في المجموعة، وتجربة قيم العدالة.

هذه التّجربة القاسية التي فرضتها المؤسّسة على الأطفال ليست حالة شاذّة قد نكتفي بمعاقبة مسؤوليها لإراحة ما تبقّى لنا من ضمائر، بل هي تعبير عن حالة مؤسّساتنا وقد بلغت حدود لا إنسانيّتها القصوى. إنّه مشهد مضخّم لحالات عديدة تعيشها مجتمعاتنا في حربها على الأطفال. لقد تحوّل الكثير من ملاجئ الطّفولة ومراكز الأيتام في البلدان العربيّة إلى معازل تمارس فيها كلّ أنواع التّجاوزات وانتهاكات حقوق الطّفل. وتمتلئ مدننا بأطفال الشّوارع الذين يخضعون لكلّ أنواع الاستغلال والعنف وتقضّ أشباحهم راحتنا الكاذبة. كما يمارس الأطفال كلّ أنواع الأعمال الشّاقّة والخطيرة والمهينة في المعامل والأسواق والحقول وورش الصّنائع والمحاجر.

ولقد تحوّلت المؤسّسة التّعليميّة في عديد الحالات إلى سجون جهل تلقّن فيها درر عفنة من جثث التّراث في فضاءات عذاب مكتظّة تذبح فيها قيم العقل والمشاركة الحرّة والمساواة. أمّا ما يسمّى بمؤسّسات "إصلاح الأحداث الجانحين"، فهي في حقيقة الأمر مؤسّسات حرمان للأطفال من الحرّية وتأهيل لهم إلى مستقبل الجريمة والضّياع.

إنّ مجتمعاتنا التي تتباهى في الظّاهر بأنّها مجتمعات فتيّة يمثّل فيها الأطفال نسبة هامّة من السكّان هي في حقيقة الأمر مجتمعات كبار يسكنهم إحباط عميق بسبب عجزهم عن تحمّل مسؤوليّتهم في رعاية الأطفال. فالفقر والقمع والصّراعات المسلّحة وعنف العلاقات الاجتماعيّة هي حمل ثقيل يحجب عن الكبار رؤية الطّفل في خصوصيّة شرطه الإنسانيّ. سجن ملجإ المجتمع الكبير يحجب سجون ملاجئ الأطفال. والقسوة والقيم المنغلقة والمشاريع المطلقة منذورة لإعادة ما هو مكبوت من صبوات وأحلام وآمال أطفال كسرت نفوسهم في المهد.

الحرب على الأطفال واستحالة السّياسة
إنّ العنف الذي تمارسه مجتمعاتنا على الأطفال هو مثال دقيق على مأزق سياسيّ أشمل تتخبّط فيه. فعجز الدّولة و مؤسّساتها عن اقتراح حلول تشريعيّة ومؤسّسيّة وتربويّة ترعى من خلالها الطّفل "المحبوب" والمعترف به في إطار العائلة، والطّفل "المنبوذ"، اليتيم، والطبيعيّ، وفاقد السّند العائليّ والجانح، وذا الاحتياجات الخاصّة... هذا العجز هو علامة على عجز جوهريّ عن ترميز (نسبة إلى النّظام الرّمزيّ) الطّفولة. فالطّفولة هي مرحلة عمريّة لها حاجيّاتها الخاصّة وتتطلّب مطلق الاهتمام بالجسد ونموّه، ولكنّها أيضا اللّحظة التي يتعلّم من خلالها الأفراد تجربة اللّغة والحياة المشتركة. هي اللّحظة التي ينطلق منها الكائن غير المكتمل للبحث الحرّ فيما يؤسّس ذاته ولتخييل أصوله وترميز علاقاته بالمجموعة. لذلك فإنّ إتاحة فرص للطّفل لعيش طفولته هو المدخل الذي يتعلّم منه المجتمع مفاهيم الحرّية والمساواة والعدالة والكرامة.

فكيف يمكن لمجتمعاتنا أن تتعجّب من غياب انتاجها للمعرفة حين تفرض على الطّفولة موت العقل في مصانع الموروث الميّت والايديولوجيّات؟ وكيف تتعجّب من غياب المستقبل وظلاميّة آفاق الغد حين تضيع على الأطفال فرصة تجربة تغيير الأشياء البسيطة التي تحيط به والتّعرّف على طرق حماية الأشياء الجميلة والمحافظة عليها؟ ولعلّ مأزق الدّيمقراطيّة وحقوق الإنسان في مجتمعاتنا هو أحد مظاهر العجز عن التّفكير في علاقتنا بالطّفولة. فلقد بقي خطاب حقوق الإنسان والدّيمقراطيّة خطاب كبار يسبح في الوعود بعالم أفضل ووفي محاولات لدفع الحكومات إلى احترام التزاماتها وسنّ التّشريعات الملائمة والامتناع عن انتهاك الحقوق. ولكنّ حقوق الإنسان بقيت مستعصية عن التّحقّق لأنّها أفق تجربة انسانيّة طويلة المدى تحتاج فيما تحتاج إلى إعادة بناء لطفولتنا. طفولة تجرّب المعرفة بالعدالة وتنشأ على الإبداع والحريّة. فكلّ الملاجئ التي يبتدعها المجتمع لإقصاء الطّفل هي تمهيد لمنظومة إقصاء متكاملة ستقصي فيما بعد المبدع الحرّ والمعارض والمراة والاقلّيات بجميع أشكالها وذوي الاحتياجات الخاصّة. أمّا البحث عن الدّيمقراطيّة فسيبقى شعارا في مجتمعات بدون ديمقراطييّن.

"يا أبت لمَ تركتني..."
تساءلت الكاتبة ديانا مقلد في مقال لها في جريدة الشّرق الأوسط، وهو من المقالات الهامة والنّادرة عن ملجإ أطفال بغداد، تساءلت بلوعة عن سرّ الصّمت العربيّ إزاء هذه المأساة.

يبدو أنّ مجتمعاتنا لم يعد يصدمها شيء. ففي تسارع ايقاعات انهيارها الصّاخبة تصبح الفظاعات التي تخرج من زواياها المعتمة جزءا من الحياة يتعايش معها النّاس في صمت. كلّ المآسي التي تتصدّى لها المجتمعات الأخرى بانتباه وتجتهد في تحليلها ومحاولة إيجاد حلول لها ، هي في مجتمعاتنا كوابيس دائمة يحاول الجميع مداراتها بالإنكار والنّسيان فتتحوّل إلى لحظة من لحظات الواقع. لحظة عمى تحجب عنّا معاني الحياة. إنّ الفظاعات المهملة ومآسي المجتمع المؤجّل الاعتراف بها وحلّها هي مصبّ نفايات عملاق تطلع منه روائح الموت وحشراته لتحتلّ ما تبقّى من هوامش مدنيّة وتبيدها.

إنّ تجاهل رعب الطّفل وعذاباته هو مدخل لموته وموت المجتمع. هذا المعنى تذكّرنا به قصيدة الشّاعر الألماني غوته، وقد استمدّها من التّراث الشّعبي الألماني، ثمّ استلهمها بدوره الرّوائيّ الفرنسيّ ميشال تورنييه في روايته "ملك غابة شجر جار الماء"، وقد أبدعت في قصّ حكاية الأطفال الذين انتزعت النّازيّة طفولتهم وجنّدتهم لخدمة مشروع مجتمعها الكريه.

تروي قصيدة غوته حكاية فارس كان يقطع غابة شجر جار الماء، وهو شجر أسود ينبت على أطراف الماء، وكان يسكن الغابة غول يسمّى ملك الغابة، وكان هذا الغول ينتزع أرواح الأطفال. وبينما كان الفارس يقطع الغابة حاملا ابنه معه، كان الغول يجتهد في انتزاع روح الطّفل داعيا إيّاه إلى مملكة الموت. ولم ينصت الفارس إلى أنين ابنه وندائه، ليكتشف بعد أن خرج من الغابة بأنّ الإبن قد مات.

قد تكون حال بعض المجتمعات شبيهة بحكاية هذا الفارس. فهي تحمل بين جنباتها جثث أجيال لم تنتبه يوما ما لعذاباتها وشكواها من الموت المحدق بها.

باسط بن حسن
ناشط حقوقي -تونسي
نقلا عن موقع الأوان
بموافقة الكاتب
http://www.alawan.com/index.php?option=com_content&task=view&id=951&Itemid=27






جميع الحقوق © محفوظة للمؤسسات الصادر منها المواد المنشورة
مصرح بنشر اصداراتنا مع ذكر المصدر و الوصلة الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان 2003 - 2004
المواد المنشورة تعبر عن أراء كتابها ، مؤسسات أو أفراد ولا تعبر بالضرورة عن موقف الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان
مؤسسات حقوقية تغطيها الشبكة