بيانات إعلامية | تقارير ودراسات | النشرة الأسبوعية | موضوع للمناقشة | خطوة للأمام | المنتدي | أجندة حقوق الإنسان| روابط | دفتر الزوار | الإيميل | عن الشبكة | جوائز حقوقية | حملات | خدمات
الرئيسية »» موضوع للمناقشة »» مجتمع مدني حر في وطن حر
مجتمع مدني حر في وطن حر

شهدت الحقبة الأخيرة من القرن العشرين عدداً من التطورات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وكان أهم مظاهرها بروز مفاهيم هامة، مثل التنمية البشرية ووجوب احترام حقوق الإنسان المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية، مما أدى إلى السعي إلى إحياء المجتمع المدني بمفهومه الواسع (أحزاب، نقابات، جمعيات أهلية، وروابط واتحادات)، لا سيما في المجتمعات التي عانت حكم الأنظمة الشمولية، التي أصرت على إقصاء المواطنين وحرمانهم من حق تنظيم وتكوين الجمعيات السلمية، وهو ما أدى إلى تهميش دور المجتمع المدني في عمليات صنع واتخاذ القرار، والإسهام المؤثر في خطط التنمية، فالتنمية الشاملة في المجتمعات المتحضرة تعتمد على التفاعل المنظم والتأثير المتبادل بين قطاعات ثلاث، هي الدولة والقطاع الخاص الهادف للربح، والقطاع الثالث الجمعيات الأهلية التي لا تهدف للربح، والجمعيات الأهلية في مصر كان لها دور عريق فقد ساهمت في الحركة الوطنية بعد الاحتلال الذي تعرضت له مصر عام 1882 فسعد زغلول، وقاسم أمين، وهدى شعراوي، وسلامة موسى، وغيرهم من رموز العمل الوطني ورواد التنوير في مصر، مارسوا أنشطتهم الوطنية من خلال الجمعيات الأهلية وكانت تلك الجمعيات في أوج نشاطها قبل يوليو 1952،

وقد قامت الجمعيات الأهلية بتعويض دور غياب الدولة الوطنية الخاضعة للاحتلال، أنشأت المستشفيات والمدارس ودور الرعاية الاجتماعية والتعليمية، ونشطت الحركة النسائية من خلالها، وأنشأت الجمعيات الخيرية الدينية القبطية، والإسلامية، التي لم تصطبغ بالطائفية وقدمت خدمات لأبناء الوطن الواحد دون تفرقة على أساس الدين، ومن خلال مشروعات أهلية حاول المصريين بناء اقتصاد وطني مستقل، ومن رحم النشاط الأهلي تحقق حلم المصريين بإنشاء جامعة لهم، إلى أن انحصر النشاط الأهلي كغيره من أنشطة المجتمع المدني بعد 1952 لأسباب يطول شرحها أهمها على الإطلاق أن الدولة في مصر منذ حركة 1952 المباركة التي نحتفل بذكراها السعيدة تلك الأيام، دولة لا تسمع المواطنين ولا تعتبرهم أطرافا يستحقون المشاركة في اتخاذ وصنع القرار ولا تعترف بحقهم في إبداء رأيهم، بل وتتعامل معهم في معظم الأحيان كخصوم، وعندما تصدر تشريعات في منطقة قد يتمتع فيها المواطنين بهامش من الحرية تكون مهمومة بكيفية انتزاع هذا الهامش وحصاره، وفي قراءة سريعة للتطور التشريعي المنظم لحق تكوين وتنظيم الجمعيات الأهلية في مصر، نجد أن دستور 1923 أعطى للمواطنين حق تكوين الجمعيات التي كانت تحكمها مبادئ وأحكام القانون المدني، وكانت تنظم نشأة الجمعيات وأنشطتها وطرق حلها عن طريق القضاء وانتعش العمل الأهلي في تلك الفترة في ظل أحكام القانون المدني، حتى صدر القانون 384 لسنة 1956 الذي أعطى الجهة الإدارية حق حل الجمعيات وهنا بدأت مرحلة الانحسار،

وصدر القانون 32 لسنة 1964 في مناخ سياسي أصر على إقصاء المجتمع المدني وتهميشه فألغى الأحزاب السياسية وأقر نظام الحزب الواحد، وسيس النقابات المهنية واشترط في من ينضم إليها ويترشح وينتخب لمجالس إدارتها، أن ينتمي إلى التنظيم السياسي الرسمي للدولة ، وقضى على التعددية النقابية العمالية، وفرض التنظيم النقابي الهرمي الرسمي، في هذا المناخ شرع القانون 32 لسنة 1964 ليسمح لسلطة التنفيذية في الدولة في التسلط والتدخل في العمل الأهلي، وهو ما قضى على النشاط الأهلي في مصر فأقتصر على تقديم خدمات خيرية لمساعدة الفقراء، والثكلى، والأيتام، وإنشاء دور الحضانات، ومع انحسار النشاط السياسي والمدني وزيادة حالة الاحتقان الديني ظهرت الجمعيات الدينية الإسلامية والقبطية لتقديم خدمات خيرية تعويضاً عن انسحاب الدولة تدريجياً عن ممارسة دورها، وخاصة بعد سياسة الانفتاح، وكانت تلك الجمعيات الدينية مفرخاً لجماعات التعصب الديني الإسلامي والمسيحي، وساهمت في غياب مفاهيم المواطنة وفرقت بين أبناء الوطن الواحد على أساس ديني، وفي ثمانينات القرن الماضي بدأ نوع جديد من النشاط الأهلي، وظهرت جمعيات ومؤسسات حقوقية وتنموية وفي ظل الحرمان التشريعي وإصرار الدولة على عدم الاعتراف بالكيان القانوني لها، ابتدع نشطاء المجتمع المدني شكل قانوني وهو الشركات المدنية التي لا تهدف للربح، ومع استمرار أنشطة تلك المؤسسات وتحقيقها نجاح في كشف ممارسات الدولة في حرمان مواطنيها من الحقوق المدنية والسياسية، وتسليطها الضوء على جرائم التعذيب في مقرات الاحتجاز غير القانونية، وكشف تزوير الدولة للانتخابات العامة، وممارستها للتمييز ضد المرأة والأقباط والطوائف الدينية الأخرى، وانسحابها المخجل من تقديم خدمات اقتصادية واجتماعية للمواطنين، عملت الدولة على القضاء على هذا الهامش التشريعي الذي ابتدعه النشطاء، فصدر القانون 153 لسنة 1999 والذي سقط بحكم المحكمة الدستورية العليا، لعدم عرضه على مجلس الشورى لكونه أحد القوانين المكملة للدستور، وهو ما قضى بعدم الدستورية وجاء تسبيب الحكم به إشارة واضحة للعوار الدستوري الذي شاب مواد القانون، وأكد الحكم على حرية العمل الأهلي وحق المواطنين في تنظيم وتكوين جمعيات أهلية دون وصاية إدارية،

وعاقبت الدولة المؤسسات والجمعيات الأهلية بعد سقوط القانون 153 لسنة 1999 بقانون أسوأ، وهو القانون 84 لسنة 2002 الذي قيد حق تنظيم وتكوين الجمعيات، وتكمن إشكالية هذا القانون وغيره من القوانين التي نظمت العمل الأهلي في مصر إنه ضمن سلسلة من التشريعات المقيدة لحق تنظيم وتكوين المجتمع المدني، من أحزاب، ونقابات مهنية وعمالية، وروابط واتحادات، ففلسفة المشرع المصري منذ 1952 في إصدار التشريعات والقوانين المنظمة للمجتمع المدني هي فرض جهات تابعة للسلطة التنفيذية للتدخل في شئون المنظمات المدنية، فتصبح لها اليد العليا في السماح لها بالتكوين وتعيق حقها في إدارة شئونها، فوزارة التضامن الاجتماعي في قانون الجمعيات الأهلية تقوم بنفس دور لجنة شئون الأحزاب في قانون الأحزاب السياسية 40 لسنة 1977، واللجنة القضائية في القانون 100 لسنة 1993 للنقابات المهنية، ووزارة الشباب في النوادي الرياضية، وشئون الطلبة في الجامعات المصرية، ووزارة القوى العاملة في النقابات العمالية، فهي جهات إدارة يسمح لها القانون بالتدخل في حالة محاولة مؤسسي تلك المنظمات لتحقيق الاستقلالية لمنظماتهم، بالإضافة إلى فلسفة المشرع في إحداث فراغ تشريعي في مصر لا يسمح لعدد من الجمعيات السلمية من التنظيم والتكوين وممارسة الأنشطة، إلا بالانطواء للقوانين المنظمة للأحزاب السياسية، أو النقابات العمالية والمهنية، أو الجمعيات الأهلية، فهناك عديد من الأنشطة المدنية السلمية لا تتناسب طبيعتها مع طابع العمل الحزبي أو النقابي أو الأهلي القوانين المنظمة لهم في مصر، مثل منظمات حقوق الإنسان، ونوادي القضاة، ونوادي أعضاء هيئات التدريس، وغيرها من الروابط والاتحادات الأخرى، التي تحتاج إلى تشريعات وقوانين تراعي طبيعة نشاطها، ثم نأتي إلى إشكالية عدم احترام السلطة التنفيذية في مصر للقوانين على الرغم من إنها هي التي تساهم في تفصيلها عن طريق سيطرتها على السلطة التشريعية، فالسلطة التنفيذية في مصر لا تحترم قاعدة تدرج القواعد القانونية والتي تعلو فيها سلطة القوانين على سلطة الإدارة،

ففي مصر تعلو اللوائح والقرارات الإدارية على القوانين في مصر، فمثلاً في القانون 84 لسنة 2002 ولائحته المنظمة له لم يعطي للسلطات الأمنية حق التدخل في شئون الجمعيات، كما نظم القانون بصورة واضحة حق تلقي الجمعيات لتمويل بالإخطار دون موافقة الجهة الإدارية ومع ذلك تصدر الجهة الإدارية قرارات إدارية تخالف القانون، وتتدخل السلطات الأمنية في شئون الجمعيات الأهلية، وهو شيء مخالف للقانون المعيب في الأصل، فالقانون84 لسنة 2002 يخالف روح المادة 55 من الدستور الذي أعطى للمواطنين حق تنظيم و تكوين الجمعيات السلمية، فقد ألزم القانون مؤسسي الجمعيات في وضع نظام أساسي، وأجبرهم على الالتزام ببيانات واردة في القانون، كما أشترط القانون ضرورة موافقة الجهة الإدارية على تكوين الجمعيات كشرط لاكتساب الشخصية الاعتبارية، كما أعطى القانون للجهة الإدارية حق في التدخل في إدارة الجمعيات الأهلية، وأعطى لها سلطة حل الجمعيات، بالإضافة إلى مواد التأثيم الجنائي في القانون، حيث اشتمل القانون على حكم الحبس للنشطاء في حالة مخالفتهم مواد القانون، وعلى الرغم من مساوئ القانون 84 لسنة 2002، إلا أن الدولة ترى أنه غير كافي في فرض سيطرتها على مؤسسات العمل الأهلي، فصدرت تصريحات من السيد وزير التضامن الاجتماعي فيها قدر كبير من الإساءة للجمعيات الأهلية، وتوعدها بإصدار قانون يسمح له بالتدخل في شئونها، وقد أرسلت 40 منظمة حقوقية وتنموية وهي المنظمات المشاركة في حملة الدفاع عن حق التنظيم خطاب إلى السيد وزير التضامن الاجتماعي تطالب فيه بحقها في المساهمة في المناقشات الدائرة حول سن تشريع جديد لتنظيم العمل الأهلي، وكالعادة تجاهل سيادة الوزير كغيره من رجال السلطة التنفيذية الخطاب الوارد من المنظمات، وهو ما لن يثني تلك الجمعيات عن حقها في المطالبة بقانون يسمح للمواطنين بحق تكوين الجمعيات، والانضمام إليها، وهو حق وجزء لا يتجزأ من الحرية الشخصية التي أعلى الدستور المصري قدرها، مع ضرورة تطبيق المعايير الدولية في حرية تكوين وتنظيم الجمعيات دون وضع قيود على ممارسة هذا الحق، وتأسيس الجمعيات بالإخطار دون حاجة إلى ترخيص أو أذن مسبق من أي جهة إدارة، مع عدم جواز حل الجمعيات أو التدخل الإداري في أنظمتها وأنشطتها، وأن تكون الرقابة على الجمعيات للرأي العام من خلال الصحف ووسائل الإعلام مع حق المواطنين الكامل في الإطلاع على ميزانيات الجمعيات الأهلية ومعرفة مصادر تمويلها.

إن حرية العمل الأهلي في مصر وحق تكوين وتنظيم الجمعيات الأهلية هو حق أصيل، ولا ينفصل عن حق المواطنين في تكوين وتنظيم منظمات المجتمع المدني، وهو شأن لا يخص نشطاء العمل الأهلي في مصر فقط، بل هو شأن عام لجميع المواطنين، والمنظمات المدنية في حملتها للدفاع عن حق التنظيم، تدعو كافة المواطنين، والنشطاء السياسيين، والنقابيين، والشخصيات العامة في الاشتباك مع الحملة والمشاركة في أنشطتها في الدفاع عن حق التنظيم، من أجل مجتمع مدني حر في وطن حر كبلته أغلال الفساد والاستبداد والقهر

يوليو 2007
أحمد فوزي
محامي\ناشط حقوقي






جميع الحقوق © محفوظة للمؤسسات الصادر منها المواد المنشورة
مصرح بنشر اصداراتنا مع ذكر المصدر و الوصلة الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان 2003 - 2004
المواد المنشورة تعبر عن أراء كتابها ، مؤسسات أو أفراد ولا تعبر بالضرورة عن موقف الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان
مؤسسات حقوقية تغطيها الشبكة