ifex English:: إيران ..... عن الشبكة |الإمارات |الأردن | البحرين | تونس |الجزائر | السعودية | السودان | سوريا | الصومال |العراق |عُمان | فلسطين | قطر | الكويت | لبنان | ليبيا | مصر | المغرب | اليمن | دولية و اقليمية
الرئيسية
ANHRI.NET.English Share
الحصول على مدونة
الرئيسية راسلنا جوائز أسئلة وأجوبة عن الشبكة الأجندة خدمات حملات خطوة للأمام مواثيق وإتفاقيات
انضم لقائمة افيكس
انضم لقائمة  الشبكة
¤ بيانات صحفية
¤ تقارير
¤ موضوع للمناقشة
¤ مواثيق دولية
افيكس
¤ أرشيف الشبكة

¤ قائمة الحقوق

¤ النشرة الاسبوعية

¤ اصدارات حقوقية
ضع وصلتنا بموقعك
ضع وصلتنا بموقعك
مبادرات الشبكة العربية

كاتب
المبادرة العربية لإنترنت حر
جهود
إفهم دارفور
مبادرة هموم
موقع قضايا



الشبكة العربية على facebook

  
الرئيسية »» موضوع للمناقشة »»ثقافة التّشكيك في حقوق الإنسان


ثقافة التّشكيك في حقوق الإنسان


عجيب قدر مفهوم حقوق الإنسان في تاريخ المجتمعات العربيّة المعاصرة. فلقد ظلّ متنقّلا من غربة إلى أخرى داخل الخطاب السّياسيّ الذي يكاد ينفتح تارة لأفكاره المبشّرة بالحرّيات والمساواة ثمّ سرعان ما يوصد أمامه أبواب الشكّ والرّيبة في مدى جدواه العمليّة أو تأصّله في "هويّتنا الثّقافيّة".

ففيما عدا بعض اللّحظات التّاريخيّة التي تمّ فيها استلهام مفاهيم حقوق الإنسان في النّقاشات الحضاريّة التّحرّريّة مثل حوارات عصر النّهضة وحركات التحرّر الوطنيّ من الاستعمار وظهور وتطوّر حركة منظّمات حقوق الإنسان، فإنّ حقوق الإنسان قد أصبحت مجالا لهجوم عنيف من عديد التّيارات السّياسيّة والكتابات المحافظة بل و"التّقدّميّة"، ممّا زاد من إبهام المفهوم واستعصائه على العرب. ولقد تمحورت الهجومات على حقوق الإنسان عند العرب حول ازدواجيّة ممارسات حقوق الإنسان عند الدّول الغربيّة المستعمرة والامبرياليّة المهيمنة وتعارض مفهوم الكونيّة الذي تقترحه حقوق الإنسان مع "خصوصيّات" مجتمعاتنا. بل إنّ بعض الهجومات قد استعادت نقدا قديما وتاريخيّا للكونيّة في الغرب لتجعل منه نقدا مجرّدا وثابتا ومطلقا يشكّك في الكونيّة في حدّ ذاتها مهما اختلفت مصادرها ومنطلقاتها.

ولكنّ كلّما ازداد نقد العرب لحقوق الإنسان حدّة طلع هذا المفهوم من غربته ليؤثّث مطالبتنا بالتّحرّر من الأنظمة المستبدّة ومحاربة الفساد والفقر والتّهميش والتّمييز والاحتلال. إنّنا أمام وضعيّة عجائبيّة. فمن ناحية تطالب مجتمعاتنا بقوّة بالمشاركة والدّيمقراطيّة والتّوزيع العادل للثّروات واستعادة مفهوم الدّولة الوطنيّة الحريصة على رفاهيّة الأفراد والمجموعات وحقّها في العمل والصّحّة والتّعليم الجيّد، ومن ناحية أخرى يلعن الخطاب السّياسيّ والثّقافيّ السّائد حقوق الإنسان ومؤامراتها التي تهدف إلى زعزعة "هويّتنا" واستقرارنا. فماذا نريد بالّضبط؟

إنّه مأزق يضع حقوق الإنسان في وضعيّة قصور مضاعف بين المعاناة من ازدواجيّة المعايير، أي ازدواجيّة بعض السّياسات الدّوليّة التي تبرّر الهيمنة باسم خطاب تستعمل فيه مبادئ حقوق الإنسان أداة عنف وسيطرة وإدارة للمصالح، والمعاناة من انفصام خطابنا الذي يسعى في مستوى الشّعارات إلى تحرّر عمليّ من واقعه المريض مع إنكار أدوات هذا التّحرّر، أي حقوق الإنسان.

لقد اعتاد الخطاب السّائد عندنا أن يلقي بالمسؤوليّة عن مصائبنا والقبح المحيط بنا وتعطّل معانينا الحضاريّة على "الآخر" المهيمن والطّاغي وأن يبرّر مآسينا بثنائيّة "الآخر" الشرّ و"النّحن" الضّحيّة الخيّرة. وانسحبت هذه الرّؤية على علاقتنا بحقوق الإنسان لتتحوّل هي بدورها إلى شرّ جديد. ولكن يبيّن تفكيك بعض مظاهر تعامل العرب سلطات ونخبا مع مفهوم حقوق الإنسان أنّ هذه الرّؤية المبنيّة على الثّنائيّة السّاذجة تخفي في أعماقها رغبة عميقة واعية وغير واعية في تهميش حقوق الإنسان وإقصائها من مجال سؤال الحرّية. كما تبيّن أنّ وراء التّشكيك في حقوق الإنسان باسم ازدواجيّة المعايير و"الخصوصيّات" ألما أكبر هو ألم اسئلة وجودنا المجهضة على الدّوام. وفيما يلي عرض لأهمّ مظاهر التّشكيك في حقوق الإنسان في العالم العربيّ :

1. التّشكيك من منطلق احتقار الشّعوب

إنّه تشكيك في حقوق الإنسان تعتمده قوى متعدّدة سياسيّة واقتصاديّة ومعنويّة تعتبر أنّ "الشّعوب" غير قادرة بطبعها على فهم التّحرّر وممارسته وعلى عيش الدّيمقراطيّة والمشاركة في صنع القرار. وتعتمد هذه الرّؤية على مفهوم الشّعب الطّفل والشّعب القاصر والمعوق الذي لا يمكن أن يرتفع بقدراته الذّاتيّة ليغيّر مصيره. فالشّعب في هذه الحالة كتلة من الأفراد تنتظر المخلّص الذي يوزّع الأدوار الاجتماعيّة ويمنح الرّفاهيّة. هذا التّشكيك المبثوث في أعمق أعماق السّياسات التّربويّة والثّقافيّة والإعلاميّة وفي تمثّلات المجموعة حول رؤيتها لذاتها كمجموعة سيؤدّي إلى إيمان الأفراد بقصورهم وعدم أهليّتهم بعيش الحرّية.

وهذه القوى التي تستعمل قدراتها في سجن مفهوم الشّعب في عدم القدرة "الجينيّة" على التّحرّر وعيش تجارب حقوق الإنسان هي نفسها التي تعلي من قيمة هذا الشّعب ونضجه حين الحديث عن حماية "سيادة" الوطن والذّود عنه أمام" المخاطر الخارجيّة" أو حين تجميع أصواته في المناسبات الانتخابيّة التي تديم الاستبداد.

ويستبطن الكثيرون هذا الاحتقار في نوع من العنصريّة الذّاتيّة، فيؤكّدون أنّهم غير قادرين على عيش تجارب حقوق الإنسان لأنّ طبيعتهم الإنسانيّة لا تتماشى مع حقوق الإنسان فهم "شعوب" لا يمكن أن تعيش إلأ في إطار تحكمه ثنائيّة الشّعب الخاضع والفرد المنقذ.

2. التّشكيك الانتقائيّ

يعتبر أصحاب هذا الموقف أنّ هناك حقوقا بعينها لا يمكن لمجتمعاتنا أن تتمتّع بها إذ أنّ "خصوصيّاتنا" لا يمكن أن تتماشى في المطلق مع كلّ حقوق الإنسان بصفتها منظومة متكاملة وغير قابلة للتّجزئة. فهناك التزامات يمكن لحكومات دولنا أن تحترمها في إطار المعاهدات الدّوليّة المتعلّقة بحقوق الإنسان وهناك التزامات أخرى لا يمكن احترامها إنطلاقا من الخصوصيّات الثّقافيّة. ولكنّ ما نلاحظه هو أنّ شعارات احترام الخصوصيّة لا ترفع إلاّ عند تبرير انتهاك حقوق النّساء والأقلّيات والجماعات الضّعيفة والمهمّشة، ولا ترفع كذلك إلاّ عند الرّدّ على التّقارير الوطنيّة والدّوليّة التي تفضح انتهاك الحقّ في المشاركة السّياسيّة والعمل المدنيّ والنّقابيّ وانتهاك حرّية الرّأي والتّعبير والتّفكير والّدين.

فإذا كان هؤلاء حريصين على حماية الخصوصيّات، فلماذا لا يطرحون هذه المطالبة بالحدّة ذاتها في علاقات الحكومات العربيّة بالمؤسّسات الماليّة الدّوليّة أو في إطارمفاوضاتها حول قضايا التّجارة العالميّة أو الملكيّة الفكريّة والهجرة أو في إطار التّعامل مع أزمات المنطقة وحقوق شعوبها؟

لقد حوّلت الانتقائيّة مسألة الخصوصيّات إلى سلاح يشهر فقط عند طرح قضايا حقوق الإنسان والحرّيات وخاصّة عندما تفتح نقاشات محلّية أو كونيّة حول قضايا مخصوصة مثل حقوق النّساء والعنف ضدّ المرأة والحقوق الجنسيّة والصحّة الإنجابيّة وحقوق الطّفل وحقوق اللاّجئين والأقليّات الدّينيّة والعرقيّة. فقضيّة الخصوصيّات بكامل تعقّدها وتاريخيّتها اختزلناها في ردود فعل مجرّدة ولا تاريخيّة لمحاربة الحرّية. ولم تؤدّ الانتقائيّة، ومنطق الأولويّات الإيديولوجي الذي انبنت عليه، في حقيقة الأمر إلى حماية مجموعة من الحقوق على حساب حقوق أخرى بل تحوّلت إلى أداة خبيثة لضرب كلّ الحقوق. فلا نظنّ مثلا أنّ تعطيل حقوق النّساء باسم الخصوصيّة قد صاحبته في نفس الوقت محاولات جدّية لتطوير حقوق الإنسان في الصحّة والتّعليم والعمل.

لقد ظهرت الحكومات العربيّة في مؤتمرات حقوق الإنسان الدّوليّة التي انعقدت في القرن الماضي وخاصّة في المؤتمر العالمي لحقوق الإنسان في فيينا (1993) كتلة واحدة تقود حركة مستميتة للتّشكيك في مبدإ كونيّة الحقوق. كما أظهرت المؤتمرات مأزقا حضاريّا أعمق للعرب في عدم قدرتهم على بلورة أجوبة تاريخيّة لأسئلة الحرّيات التي لا يمكن التهرّب منها باسم شعارات مطلقة ومنغلقة.

3.التّشكيك انطلاقا من اختلاف المرجعيّات

وتلتقي مقولات هذه النّظرة حول فكرة أساسيّة وهي أنّ حقوق الإنسان نشأت في الغرب وهي قديمة عنده متأصّلة في تراثه فلا يمكن أن تكون بالتّالي صالحة لكلّ زمان ومكان. فهناك طبيعة خاصّة للإنسان الغربيّ المطلق تجعل قبوله للفكرة نابعة من وجوده ذاته. هذه الرّؤية المطلقة للآخر تؤدّي في النّهاية إلى اعتبار حقوق الإنسان فكرة مجرّدة لم تخضع لتطوّر تاريخيّ في تشكلّها أو لتوتّرات مفهوميّة وصراعات بين المدارس الفلسفيّة والسّياسيّة والقانونيّة. كما أنّ هذه النّظرة تتجاهل حقيقة نشأة حقوق الإنسان وتطوّرها في مجتمعات غربيّة شهدت قرونا من الاستبداد السّياسيّ والحكم المطلق وإنكارا للحرّيات الدّينيّة وحروبا وصراعات مذهبيّة دمويّة.

وقد أدّى هذا التّشكيك في حقوق الإنسان بالتّركيز على كونها غربيّة إلى رفض حقوق الإنسان كلّيا واعتبار أنّ المرجعيّة الدّينيّة قدّمت حلولا وإجابات واضحة ونهائيّة لقضايا الإنسان ويكفي الرّجوع إلى منابع الإسلام وأصوله لبناء المجتمع المثاليّ.

هذه الرّؤية التي تناسل ولا زال يتناسل من خلالها هذيان الأصول بعنفيه الماديّ والرّمزيّ، خلقت وضعيّة لا تحتمل تبدو فيها الهوّة شاسعة ولا يمكن تجسيرها بين حقوق إنسان غربيّة وغريبة عن حضارتنا وإسلام لا تاريخيّ تكفي استعادته في مطلق قداسته لتحقيق سعادة الأمّة.

هذه الرّؤية التي تغلغلت في ثقافتنا السّياسيّة وفي الخطاب الدّينيّ والتّربويّ ساهمت في خلق أجيال من العرب الذين يحلمون بجنّات الماضي ويعجزون عن تبيّن حلول لمشاكلهم خارج الأنماط الذّهنيّة المطلقة. أجيال تعتبر إنكار حقوق الإنسان وأسئلتها الملحّة عن العلاقة بين السّلطة والحرّية وموقع "سيادة" الفرد وحيّزه الشّخصيّ في الأنماط التّقليديّة لتنظيم المجتمع وبناء أمثلة تاريخيّة لتحويل المجتمعات عن طريق الكرامة والمساواة والعدالة والحرّية، تعتبرها مدخلا لقتل الآخر المتعدّد فيها والعودة إلى صفاء الماضي. إنّه مطلق الهذيان الذي ساهم في إنتاج خطاب العنف والتّكفير والاستئصال والتّطرّف والإرهاب. وهو ما وقف سدّا منيعا أمام تغلغل ثقافة حقوق الإنسان في مجتمعاتنا وحرمها من فرص تاريخيّة لإحراز تقدّم في مجالات الحرّيات والدّيمقراطيّة والتّنمية.

وإلى جانب هذا التّشكيك الجذريّ، نجد موقفا آخر يؤكّد أصحابه على أنّ حقوق الإنسان ذات مرجعيّة غربيّة بالأساس، ولكن بعض هذه الحقوق لا يتعارض مع المرجعيّة الدّينيّة. وهؤلاء يأخذون أمثلة من النّصوص الدّينيّة للّتاكيد على أنّ الإسلام احتوى حقوق الإنسان فهو لا يختلف عنها. ولكن رغم الايجابيّة النّسبيّة لهذه المقاربة التي تحاول إيجاد حلّ للتّوتّر المفهوميّ بين حقوق الإنسان والإسلام، فإنّها تبدو مرتبكة مثل كلّ المحاولات التوفيقيّة بين نظامين مختلفين، وتبدو لنا غير قادرة على الإجابة عن بعض التّساؤلات الأساسيّة. فهل مقاربة الدّين لموقع الإنسان في الكون وفي المجتمع هي نفسها التي عبّر عنها تطوّر المدارس الفلسفيّة التي فكّرت بأشكال متنوّعة في مفهوم حقوق الإنسان؟ وهل ينظر الإسلام في جوانبه التّشريعيّة إلى قضيّة السّلطة والحرّية والعدالة والمساواة والكرامة نفس النّظرة التي بلورتها نظريّات حقوق الإنسان بدءا من إعلانات حقوق الإنسان الأولى في القرن الثّامن عشر وصولا إلى الإعلان العالميّ لحقوق الإنسان؟ وهل تنظر المرجعيّة الدّينيّة على اختلاف مذاهبها إلى مواضيع مثل حرّية الرّأي والتّعبير والتّفكير والدّين وحقوق النّساء والأقلّيات بنفس النّظرة التي تبلورت تدريجيّا في اتّفاقيّات وإعلانات حقوق الإنسان الدّوليّة؟

إنّ المطلوب ليس القيام بمحاولات توفيق سطحيّة توشّح بمقولات تراثيّة مختارة بعناية عن فضائل التّسامح وتكريم الإسلام للبشر، بل البحث المتـانّي والجريء من أجل تبيّن خصوصيّة كلّ مرجعيّة في تاريخيّتها، والقبول بحقوق الإنسان كأداة نقد لمساءلة الثّقافة والدّين وتخليصها من كلّ ما لا يحتمل إنسانيّا اليوم. وعلينا أن ننتقل من محاولة استعمال حقوق الإنسان لتبرير أولويّة الدّين إلى اجتهادات شجاعة تبرز خطر إقحام الدّين في أمور تتعلّق بالسّياسيّ في معناه الشّامل وعدم قدرة الدّين فعليّا على الإجابة عن أسئلة السّياسيّ وقضاياه.

4.التّشكيك المتعالم

وهذا النّوع من التّشكيك يجمع تحت سقف واحد عددا مختلفا ومتنوّعا من الكتّاب والمفكّرين والقانونييّن. إنّ ما يثير الانتباه في مواقف هؤلاء المشكّكة في كونيّة حقوق الإنسان هو أنّهم ينطقون من مرجعيّة "حداثيّة" فتراهم يصمّون آذاننا بآرائهم المستقاة من أمّهات مصادر الفكر الحديث عن الدّولة والفرد والمجتمع المدنيّ والعلمانيّة ولكنّهم يسارعون باعتماد أيّ موقف يشكّك في حقوق الإنسان. وكأنّ حقوق الإنسان جسد غريب ترعرع خارج إطار هذا الفكر الحداثيّ أو مابعد الحداثيّ.

هذه التّرسانة المعرفيّة التي يتوسّلون بها لفرض آرائهم المتعالمة والمتحذلقة ساهمت في مزيد إرباك علاقتنا بحقوق الإنسان وفي عدم فهم أصولها وتطوّراتها. هذا التّشكيك يعتمد على شذرات من النّقد الذي وجّه لحقوق الإنسان بدون إرجاعها إلى الحوارات الكبرى التي أدّت إلى تطوّرها. لذلك فهو تشكيك يؤدّي إلى انقطاع أصحابه في الوقت ذاته عن فهم حقوق الإنسان ومختلف أنواع النّقد الذي صاحب نشأتها وتطّورها وإلى انحباسهم في منظومة ايديولوجيّة مغلقة لا فكاك منها. إنّها المعرفة العرجاء التي تبشّر بانفتاحات الفكر والتّطوّر ونقد الأنساق الميتافيزيقيّة ولكنّها في نفس الوقت تجعل من حقوق الإنسان مجموعة عقائد ميتافيزيقيّة متعالية عن التّاريخ وتهاجمها انطلاقا من هذا التّصوّر الذي ابتدعت وهمه.

إنّ الوهم الذي يروّجه التّشكيك المتعالم عندنا هو أنّ كونيّة حقوق الإنسان مفهوم مطلق وهي تجريد لمسار انطولوجيّ مخترق لكلّ زمان ومكان وبالتّالي فهي لا يمكن أن تخدم إلاّ رؤية واحدة للإنسان نشأت مع مدرسة القانون الطّبيعيّ وقنّنت في إعلان حقوق الإنسان والمواطن في فرنسا لسنة 1789 . هذه الرّؤية التّبسيطيّة هي السّائدة في الكتابات القليلة باللّغة العربيّة حول حقوق الإنسان ولكنّها خلقت التباسا تاريخيّا أساسيّا إذ جعلت أصول فكرة حقوق الإنسان حكرا على الإرث اللّيبراليّ الغربيّ ورسّخت في الأذهان معارضة لحقوق الإنسان على اساس أنّها لا تخدم سوى رؤية مركزيّة غربيّة واحدة للإنسان.

إنّ حصر كونيّة حقوق الإنسان في لحظة واحدة من لحظات تطوّرها سيحجب عنّا إرثا معرفيّا هائلا من نقد الكونيّة المؤسّسة لحقوق الإنسان. فلقد وجّه كتّاب مختلفون مثل بنتهام وكونت ومايستر وهيجل وماركس، في شبابه، نقدا أساسيّا لفكرة كونيّة حقوق الإنسان في شكلها المجرّد وساهموا في توسيع النّقاش حول الكونيّة وحول تاريخيّة الحقوق وعدم تعاليها. ولقد تواصل النّقاش حول الكونيّة وتاريخيّة الحقوق في كتابات حنّا أرندت ونوربرتو بوبيو واتيان باليبار وميشال فوكو لتطرح رؤى حول المواطن المجرّد والإنسان الفرد الواقعيّ وحول علاقة مرور فكرة الحقّ من شكلها المجرّد إلى شكلها التّاريخيّ المؤثّر في المجال السّياسيّ.

لقد ساهمت كلّ أنواع النّقد للكونيّة في إعادة تعريف حقوق الإنسان فهي لم تعد امتيازات مجرّدة يتمتّع بها المواطن في إطار المجموعة بل هي الطّريقة التي يتواصل من خلالها الأفراد ويتفاعلون ليؤسّسوا مع بعضهم هذه الحقوق في الواقع التّاريخيّ ويؤسّسون من خلالها رؤيتهم للعيش المشترك. إذاً فحقوق الإنسان ليست فكرة مجرّدة بل هي عمل تاريخيّ متواصل.

ولقد حاول باليبار تلخيص تطوّر حقوق الإنسان فيما سمّاه باللّحظتين الأساسيّتين للحداثة. ففي اللحظة الأولى كفّت فكرة المواطنة عن الإحالة على وضع امتيازات مغلق حسب الجنس أو المنشإ أو الملكيّة أو الدّين أو الإنتماء. فلأوّل مرّة في تاريخ الحضارات ارتبطت فكرة المواطنة بحقّ كونيّ في المشاركة السّياسيّة عبّر عنها إعلان الحقوق الفرنسي.

ولكنّ هذه اللّحظة لم تمنع ظهور مبادئ جديدة للإقصاء واستفحال أخرى ممّا أدّى إلى ظهور لحظة ثانية للحداثة أصبحت فيها إشكاليّة المواطنة مرتبطة وثيق الارتباط بالمطالبة بالعدالة الاجتماعيّة وبتطوّر لا متناه للإصلاح والتّغيير الاجتماعيّ.

وتكون المساواة في هذه اللّحظة بناء تاريخيّا وليست مجرّد معطى انثروبولوجيّ بينما تكون الحرّية اكتشافا ماديّا وليست مجرّد مبدإ.

وسنجد صدى لكلّ هذه الحوارات والرّؤى في الإعلان العالميّ لحقوق الإنسان لسنة 1948 والاتّفاقيّات الدّوليّة التي حاولت الجمع بين الحقوق المدنيّة والسّياسيّة والحقوق الاقتصاديّة والاجتماعيّة والثّقافيّة.

إنّ التّشكيك العالم حين يمسح ثراء النّقاشات والمفاوضات الكبرى النّقديّة لحقوق الإنسان يؤدّي في نهاية الأمر إلى بناء ثقافة شموليّة تنظر إلى المفاهيم نظرة كلّية منزوعة عنها تاريخيّتها.

إنّ انواع التّشكيك في حقوق الإنسان الحادّة حينا والملتبسة حينا آخر التي سبق ذكرها قد ساهمت في غربة هذا المفهوم في مجتمعاتنا وفي صعوبة بناء ثقافة سياسيّة تستوعب اشكاليّات وآفاق مفاهيم المواطنة والحرّية والمساواة والعدالة الاجتماعيّة. وأدّى ذلك إلى مآزق أخرى لا تقلّ خطورة على ثقافة مجتمعاتنا السّياسيّة. فقد انحصر النّقاش حول حقوق الإنسان في استيهامات مجرّدة عن أصولها الغربيّة ومدى "تأصّلها" في ثقافتنا ومدى تهديدها كذلك لـ"هويّتنا" ومرجعيّتنا الدّينيّة، وتمّ بذلك تغييب النّقلة الاساسيّة التي أحدثتها حقوق الإنسان في مختلف تطوّراتها على الوعي بالسّياسيّ.

فرغم تعدّد الحقوق ومصادرها واختلاف طبيعتها القانونيّة أحيانا وصعوبة تطبيقها في بعض الحالات، فإنّها تبقى مع ذلك أداة عمل أخلاقيّ وتاريخيّ لمساءلة السّياسيّ وإثرائه بمفاهيم المواطنة والعدالة الاجتماعيّة.

كما أضفت حقوق الإنسان على ممارسة السّياسة مجموعة من المبادئ والقيم مثل المساواة والحرّية والعدالة والكرامة حتّى تخرج من أنفاق المنفعيّة المتوحّشة التي تأكل الأفراد والبلدان.

لقد أخرجت ثقافة التّشكيك في حقوق الإنسان المفهوم عن أسئلته وامكاناته التّاريخيّة والأخلاقيّة وحوّلته إلى مجال ريبة. هذا المأزق لم يجعل حقوق الإنسان شيئا متعاليا على حياتنا ومتناقضا مع تاريخنا فقط، بل جعله عاملا من العوامل الأساسيّة في إنكارنا لما يؤسّس إنسانيّتنا.

ناشط حقوقي تونسي ،
نقلا عن موقع الأوان ،
بالاتفاق مع المؤلف
http://www.alawan.com/index.php?option=com_content&task=view&id=2177&Itemid=18

الرئيسية | عن الشبكة | بريد | بيانات إعلامية | تقارير ودراسات | موضوع للمناقشة | خطوة للأمام | حملات | النشرة الأسبوعية | مواثيق وإتفاقيات | أجندة حقوق الإنسان | خدمات | دليل المواقع | اصدارات حقوقية | جوائز حقوق الانسان | مؤسسات على الشبكة
الرئيسية
جميع الحقوق © محفوظة للمؤسسات الصادر عنها المواد المنشورة
مصرح بنشر اصداراتنا مع ذكر المصدر و الوصلة الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان 2003 - 2009
المواد المنشورة تعبر عن أراء كتابها ، مؤسسات أو أفراد ولا تعبر بالضرورة عن موقف الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان

ifex