ifex English:: إيران ..... عن الشبكة |الإمارات |الأردن | البحرين | تونس |الجزائر | السعودية | السودان | سوريا | الصومال |العراق |عُمان | فلسطين | قطر | الكويت | لبنان | ليبيا | مصر | المغرب | اليمن | دولية و اقليمية
الرئيسية
ANHRI.NET.English Share
الحصول على مدونة
الرئيسية راسلنا جوائز أسئلة وأجوبة عن الشبكة الأجندة خدمات حملات خطوة للأمام مواثيق وإتفاقيات
انضم لقائمة افيكس
انضم لقائمة  الشبكة
¤ بيانات صحفية
¤ تقارير
¤ موضوع للمناقشة
¤ مواثيق دولية
افيكس
¤ أرشيف الشبكة

¤ قائمة الحقوق

¤ النشرة الاسبوعية

¤ اصدارات حقوقية
ضع وصلتنا بموقعك
ضع وصلتنا بموقعك
مبادرات الشبكة العربية

كاتب
المبادرة العربية لإنترنت حر
جهود
إفهم دارفور
مبادرة هموم
موقع قضايا



الشبكة العربية على facebook

  
الرئيسية »» موضوع للمناقشة »»


وقفة عند حقوق الإنسان في العالم العربي 2008*




د. هيثم مناع
لمحة في الوضع الدولي والعربي


سأكرر قصة رويتها قبل خمس سنوات عندما تحدثت في أوضاع حقوق الإنسان في هذا الجزء من العالم قبل احتلال العراق وكنت أظن أن علماء النفس والمثقفين الغربيين قادرين على قول كلمتهم لعقلنة وضع لا عقلاني في العلاقة مع الحالة الاستثنائية ومترتباتها على ما ناضلت شعوب العالم لقرون من أجل تحقيقه. وكون سنوات خمس لم تغير المنطق السائد أو المطلوب أن يسود، مازالت هذه الطرفة تحتفظ بكل حضورها في الوضع النفسي الجمعي العابر للحدود: جاء في قصص قدماء العرب أن الوباء قدم يوما إلى قرية، فوقف له على بابها شيخ حكيم وقال له: أما لك أن تترك أهل هذه القرية وحالهم، فهم لم يرتكبوا ذنبا ولم يعصوا الله في مشيئته ولم يعتدوا على أحد، فقال الوباء للشيخ المسن: لا تقلق، فأنا لن أقيم طويلا في هذه القرية ولن ينال الداء أكثر من أربعين شخصا. وبعد شهر، التقى الوباء بالشيخ وهو خارج من القرية فبادره الشيخ: "ألا يكفي أنك جئت بالأذى بل وتزيد على أذاك بالكذب، لقد قتلت 400 شخص من أبناء القرية". فأجاب الوباء: "لا تظلمني أيها الحكيم، أنا لم أتعرض لأكثر من 40 شخصا، أما الآخرين فقد قتلهم الخوف والفزع".

تلخص هذه القصة جانبا أساسيا من جوانب الوضع العربي والعالمي بعد الحادي عشر من أيلول 2001. فقد وفر الاعتداء على أكبر قوة عظمى الظروف المناسبة لهذه القوة كي تخرِجَ من أعماقها الخطاب الأشد تطرفا والأكثر عدوانية دون أن يكون بوسع أحد أن يعترض على سياستها (1). وأذكر أنه عندما أصدرت اللجنة العربية لحقوق الإنسان بياناً قبيل الحرب على أفغانستان وقفت فيه ضد الحرب ومع محاكمة عادلة لمنظمي اعتداء الحادي عشر من أيلول، تصدت الأبواق الصهيونية لنا واتهمتنا بالتواطؤ مع الإرهاب. بل لم يتورع الدكتور برنار كوشنر يومها، في نقده للمنظمات غير الحكومية التي أخذت موقفا مشابها عن الحديث عن الدفاع الذاتي لتأييد القصف الأعمى لأفغانستان معتبرا الحرب عادلة بكل المقاييس. لقد أصبحت المزايدة في دعم السياسة الأمريكية جزءاً من المعايير الجديدة "للشرعية الدولية"، وأصبحت الهرولة وراء رضا المارد الأمريكي تتجاوز المعقول، نتكلم اليوم ليس في لحظة عزل موقف كوشنر باعتباره الاسم الفرنسي الوحيد المعروف الذي أيد احتلال العراق، وإنما في لحظة مكافأته على مواقفه العدوانية هذه بتعيينه وزيرا للخارجية الفرنسية.

بعد أقل من شهر من أحداث أيلول، تقدم مندوبو الإدارة الأمريكية بلائحة المطالب الأمريكية التي تضمنت:
  1. تقديم كشوف عن المعلومات الأمنية المتعلقة بالمنظمات الإرهابية.
  2. تسليم قادة المنظمات "الإرهابية".
  3. إغلاق المكاتب والقواعد.
  4. المساهمة المالية.
  5. تقديم مساعدات سياسية وإعلامية ومشاركة عسكرية حين الطلب.
  6. التوقف عن التحريض الإعلامي على الإرهاب (2).
لقد تم التقاط هذه الرسالة دوليا وليس فقط عربيا. فقبل الاحتفال برأس السنة الميلادية قامت في 14/12/2001 قوات مدرعة فرنسية وإيطالية مكونة من قرابة 50 شخصا من KFOR باقتحام مكتب الإغاثة العالمية GR في مدينة جاكوفا وحطمت الأبواب رغم تسليمها المفاتيح ثم صادرت ما في المكتب من أجهزة كومبيوتر وملفات وقوائم حسابات ومفكرات شخصية وجوازات سفر الموظفين وزوجاتهم والوثائق الخاصة بهم الصادرة عن UNMIK واعتقال من فيه. وقد تم تعذيب العاملين قبل بدء التحقيق معهم بحضور مراقب من FBI. يضاف إلى ذلك محاولات الإهانة أثناء النقل للمعتقل ومنها الأمر بخلع الملابس والتعرية والضرب العشوائي على أعضاء الجسم والتقييد بالسلاسل. بعد ذلك يتم النقل إلى القاعدة الأمريكية في بوندستيل حيث يستمر التحقيق في ظروف لا إنسانية تجمع بين العزل الانفرادي وفريق التحقيق الثلاثي الذي شملت أسئلته مهمات المنظمة الخيرية وأسباب حج المسلمين لمكة (3). هذا المشهد الذي حدث في كوسوفو، سيتكرر في باكستان وأفغانستان وأزربيجان والمغرب واليمن والأردن والكويت والمملكة العربية السعودية.

قدمت الحكومات العربية خلال هذه الحقبة أكثر مما هو مطلوب أحياناً، وأحياناً أخرى اختارت ما لم تكن أجهزة أمنها مورطة به، حيث أصبح من الضروري لكل سلطة قمعية أن تثبت بالدليل القاطع أنها تحارب "الإرهاب" ببادرة حسن نية. وباعتبار أن الولايات المتحدة الأمريكية جمهورية وديمقراطية، لها قراءة خاصة لحقوق الإنسان ابتعدت عن القراءة العالمية. قراءة تركز على الحقوق الفردية السياسية والمدنية بشكل أساسي ولا تعترف على الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي أقرها العهد الخاص بها، كذلك لم تعترف بحق التنمية والبيئة وفق المعايير الدولية، وترفض الانضمام إلى الدول المصدقة على اتفاقية حقوق الطفل والمحكمة الجنائية الدولية. لكل هذا، سنحاول في هذا النص التركيز على التدهور الذي طرأ على الحريات المدنية التي يعتبرها هذا البلد المرتكز الأساسي لمفهومه لحقوق الإنسان لإبراز تهافت هذا التصور على الصعيدين العربي والعالمي، والثمن الذي تدفعه شعوب الحكومات الصعلوكة عندما تأخذ هذه الحكومات ليس فقط الضوء الأخضر بل المثل الأسوأ في قضايا الإنسان وكرامته وحقوقه.

إثر تصريح لمساعد وزير الدفاع الأمريكي يقول فيه إن الحالة خطيرة بشكل يتطلب إجراء العديد من التحقيقات خارج الأراضي الأمريكية، وذلك بما لا يتناسب مع التزامات الأجهزة الأمنية الأمريكية في القانون الأمريكي واتفاقية مناهضة التعذيب؛ تبرعت عدة دول للقيام بالتحقيق على أراضيها بوجود ضباط أمريكيين. من المملكة المغربية إلى اليمن، ثمة تأكيدات على حضور مسئولي الأمن الأمريكي جلسات التحقيق وكل ما يرافقها من تعذيب ومعاملة لا إنسانية أو مهينة.

الكويت

في شهادة قدمها المواطن الكويتي خالد الدوسري، المعتقل السابق في السجون المغربية، إلى اللجنة العربية لحقوق الإنسان، يعدد الدوسري وسائل التعذيب التي تعرض لها من تاريخ 11/6/2002 إلى 19/8/2002 (الضرب والجلد والحرق بأعقاب السجائر والحرمان من الطعام والنوم والإضاءة العالية وتكرار الضرب على الرأس ووضع صافرة في الزنزانة وشرب سائل يؤثر على الدماغ والسب والشتم والإهانة والإجبار على تقبيل أرجل المحققين والابتزاز والمساومة والإجبار على الإدلاء بمعلومات كاذبة مثل الانتماء لأمن القاعدة واللقاء بمسئول مخابرات عراقية ومسئول في حماس). وهو يؤكد في شهادته على وجود ضباط من المخابرات الأمريكية والسعودية في التحقيق والطلب إليه أن يصرح بوجود علاقة بين القاعدة والنظام العراقي مقابل الإفراج عنه (4).

بمجرد أن أعطى خالد الدوسري شهادته إلى اللجنة العربية وقناة "الجزيرة" وصحيفة "القدس العربي" جرت ملاحقته واعتقل الصحفي الذي أجرى معه المقابلة في الكويت ثم اعتقل شقيقه ووالده كي يسلم نفسه وأخيرا جرى اعتقاله. لم تتوقف حملة اللجنة للإفراج عن المتضرر الجديد إلى أن تم تحجيم الخسائر قبيل عيد الفطر بالإفراج عن خالد. والسبب في كل ذلك، رغبة الحكومات الأطراف في القضية بإخراس هذا الشاهد المزعج. حاول خالد "الضحية" أن يشاركنا النضال من أجل الضحايا البريئة للحرب على الإرهاب مشكلا جمعية كويتية لمناهضة التعذيب، وقام مع زملاء له بجمع 54 شهادة لمواطنين كويتيين تعرضوا للتعذيب قدمتها اللجنة العربية لحقوق الإنسان إلى المقرر الخاص للتعذيب في المفوضية السامية لحقوق الإنسان، بعدها نظمت الأمن الكويتي بالتعاون مع عدد من الصحافيين حملة تشهير به باعتباره المشرف على المتطوعين في الكويت للمقاومة في العراق، اضطر زميلنا للتخفي وصدر عليه حكم غيابي بالسجن عشر سنوات. رغم كل ذلك ورغم ثبات براءة أربع كويتيين من تهمة "المقاتل العدو" في غوانتانامو وطلب مجلس الأمة والحكومة والمجتمع والصحافة بل والأمير نفسه للرئيس الأمريكي أن يفرج عنهم، لم تستجب الإدارة الأمريكية لبلد ينفذ جهاز أمن الدولة فيها بدقة وأحيانا بمبالغة مطالب الأمريكيين.

المغرب

من جهتها، لم تكتف المملكة المغربية بترسيخ التعذيب جزءاً من التحقيقات، كما لم تكتف بالتوقيع على الاتفاقية العربية لمكافحة الإرهاب، بل قررت الالتحاق بركب من يخصص له قانوناً. فكان إعداد مشروع "قانون الإرهاب"، الذي لاحظ عبد الرحيم صابر، أوجه تشابه أساسية بينه وبين القانون الوطني الذي أقره الكونغرس الأمريكي (Patriot Act). ففي المادة 218 فقرة 1، هناك أحد أكثر تعاريف الإرهاب ميوعة واتساعا، في حين تتكفل الفقرة الخامسة من نفس المادة بتشديد العقوبات في كل ما يتعلق بالإرهاب، وبالطبع عقوبة الإعدام، العزيزة على قلب دبليو بوش، تتصدر القائمة. ليس من الغريب أن تشجع الفقرة السادسة من المادة نفسها على الوشاية بكل من يشك المواطن بأمره، وأن تخصص المادة 108/3 للسماح بالمراقبة التليفونية إلخ. سبق ذلك انفجارات الدار البيضاء التي تبعها اعتقال 3000 آلاف شخص خرج منهم تباعا أكثر من ألفين. ومهما كان القانون رديئا فالواقع العملي أردأ، حملات شبه منتظمة واعتقالات ومنع من الاجتماع لحركة العدالة والإحسان، اعتقالات وقائية لمختلف الاتجاهات الإسلامية، وأخيرا وليس آخرا، قنبلة فبراير التي شملت اعتقال ثمانين سياسيا منهم الأمين العام لحزب البديل الحضاري المصطفى المعتصم ومحمد الأمين الركالة رئيس المجلس الوطني ومحمد مرواني، الأمين العام لحزب الحركة من أجل الأمة بتهمة الإرهاب مع حظر الأحزاب المعنية. ولم تعدم السلطات المغربية تلميع صورتها بهيئات المصالحة التي فتحت ملفات جريئة ولكنها تناست أن حقوق الإنسان هي الأمس واليوم وغدا.

سوريا

منذ اليوم الأول الذي بدأت فيه الولايات المتحدة توزيع قوائم الإرهابيين من تنظيم القاعدة، تطوعت أجهزة الأمن السورية بتقديم قوائم بكل من قال "لا إله إلا الله" في الحركة السياسية السورية إن داخل سورية أو في المنفى. وبالطبع جرى زج أسماء هؤلاء بعلاقة مع تنظيم القاعدة الذي أصبح بقدرة قادر أكبر تنظيم سياسي سوري معارض. تورط في هذه الملاحقات النائب العام الإسباني الذي لاحق بينوشيه (غارثون) وتورطت معه أسماء هامة في القضاء الأوروبي. كذلك وقعت في الفخ صحيفة "الحياة اللندنية" التي نشرت لمراسلها من دمشق أكثر من تحقيق يستند على معلومات الأمن السوري. لكن لم يلبث السحر أن ارتد على الساحر وصار "المراسل" الذي أعد هذه المقالات نفسه معتقل رأي في دمشق. ولم تهدأ سياسة الإرضاء هذه إلا عندما أصبحت رقبة السلطة السورية نفسها في الميزان في الملفين السوري واللبناني وبعد احتلال العراق. إلا أن الاعتقالات لم تتوقف ولو أنها أصبحت محلية دون تقديم خدمات للإدارة الأمريكية التي صارت مطالبها تتجاوز المعقول والممكن بكل المقاييس الرسمية والشعبية.

هذا لا يعني أن الجبهات القمعية الأخرى قد هدأت. فقد حاكمت السلطات الأمنية في سورية ثمانية نشطاء في المجتمع المدني ونائبين من مجلس الشعب في حملة بدأت في أغسطس/آب 2001 وانتهت في 9 سبتمبر 2001 أي قبل أحداث سبتمبر بيومين، ولاعتبارات وحسابات داخلية محلية لوقف ما عرف بربيع دمشق، ومازال عارف دليلة الذي حكم بعشر سنوات في سجن عدرا. وماطلت أكثر من سنة في الإفراج عن 36 معتقل في حالة خطيرة تم تجميعهم في سجن صيدنايا. وعادت إلى سياسة الاعتقال التعسفي بشكل شمل العاملين والعاملات في المجال الصحفي لإرهاب القلم. مع عمليات اعتقال لشبيبة إسلامية وشباب ديمقراطي تحلقوا في جماعات صغيرة العدد والعدة والتأثير. إلا أن أجهزة الأمن التي تتبع منذ 1970 سياسة "اكسر البيضة قبل أن تفقس" استمرت على قاعدة الأمن الوقائي، وما زالت تتبع سياسة الترهيب والقمع بحق السياسيين والحقوقيين، مثل منع الرموز الحقوقية من السفر أو ربط سفرهم بموافقة أمنية، واعتقال نشطاء أكراد لأسباب واهية ومحاكمتهم لتذرير وإضعاف الحركة السياسية الكردية السورية، وقامت قبل عامين ونيف بحملة اعتقالات تلت إعلان دمشق بيروت-بيروت دمشق زجت إثرها بالكاتب والصحافي ميشيل كيلو والمحامي أنور البني وسبعة آخرين في السجن. هذا بعد إغلاق المنتديات المستقلة وآخرها منتدى جمال الأتاسي.

لقد نالت الاعتقالات عاملين في الصحافة وهواة الأنترنيت. علماً بأن ملفات أساسية على صعيد حقوق الإنسان ما زالت مجمدة مثل حرمان قرابة 200 ألف كردي من الجنسية والآلاف من الكوادر السياسية من حقوقهم المدنية وآلاف السياسيين وأقاربهم من السفر ومعاقبة من يعود من المنفيين وإصدار قانون للمطبوعات يؤبد القوانين الاستثنائية باعتبارها قوانين عادية. وحتى تكتمل اللوحة، باشرت السلطات الأمنية اعتقال قيادة إعلان دمشق للتغيير الديمقراطي بعد اجتماع أول ديسمبر 2007 ومازال منهم في السجن فداء الحوراني وفايز ساره وأكرم البني وعلي العبد الله وأحمد طعمة ووليد البني ومحمد حجي درويش وجبر الشوفي ومروان العش ورياض سيف وطلال أبو دان. ونتمنى أن لا تكون الذكرى 45 البائسة لحالة الطوارئ اليوم سببا في إثقال قائمة المعتقلين السياسيين في البلاد.

تونس

من الذين احتفلوا أيضاً بأحداث 11 أيلول، الرئيس التونسي بن علي. فقد ذكّر بإصداره المبكر لقانون لمكافحة الإرهاب (منذ 1993) ومجلة للصحافة قادرة على محاكمة كل مواطن يتحدث في الشأن العام. وعرض خدماته لأية مساعدة مفيدة أو ليست ذات فائدة، مشدداً على أوضاع المعتقلين من حركة النهضة في السجون الذين مازال منهم إلى اليوم 25 معتقلا أمضوا قرابة العقدين بين سجن وعزل، واعتقال أكثر من رمز لحرية الصحافة والحركة الحقوقية آخرهم الصحفي سليم بوخدير. برز استهتار السلطات التونسية بالرأي العام العربي والدولي والمجتمع التونسي وتعبيراته المنظمة، في المعركة التي خاضتها ضد الأستاذ بشير الصيد، عميد المحامين في تونس، والقيادي المؤسس في اللجنة العربية لحقوق الإنسان، بالاعتداء على مكتبه وإحكام الرقابة على تحركاته وإجبار القضاء على ملاحقته واستنفار محامي السلطة ضده، في محاولة لضرب هذا المعقل المستقل للمجتمع المدني التونسي عبر رمزه المنتخب. لكنها فشلت، بل وبعد دورة انتخابية غاب عنها عاد ونجح في الانتخابات الأخيرة كعميد للمحامين في تونس.

مكافأة على كل ذلك تلقت السلطات التونسية تصريحات أمريكية رسمية تقول "بأن الرئيس الحالي هو أفضل من يمثل الأمن والاستقرار في تونس، وتكفي تعديلات طفيفة في الوضع التونسي لاحترام حقوق الإنسان في هذا البلد". لذا شملت هذه التعديلات التأبيد للرئيس التونسي بتعديل الدستور وانتخابات معروفة النتيجة سلفا. وقد أوفت السلطات التونسية بالتزاماتها لإدارة بوش فاعتقلت كل من سلّم إليها من أوربة وسورية وغوانتانامو وحكمت عليهم بأحكام عالية، وهي تقوم بعملية اعتقالات دورية بدعوى مناهضة الإرهاب، وقد ضيقت كثيرا على العمل العام بمنع عقد المؤتمرات الدورية كما فعلت مع الرابطة التونسية لحقوق الإنسان والملاحقات اللصيقة بل والاعتداء على المناضلين من قبل مجهولين (عناصر أمن تتهم المناضلين الديمقراطيين بالعمالة للغرب!!!) كما حدث مع زميلنا منصف المرزوقي عند عودته لتونس ويحدث في الأيام الأخيرة مع عمر المستيري وسهام بن سدرين. قائمة الممنوعين من السفر أو الحركة داخل البلاد أو العودة للدراسة أو العمل من معتقلي النهضة المفرج عنهم طويلة، فبعد السجن والعزل عن العالم يأتي السجن الكبير أمام العالم. جامعيون وأكاديميون وصحافيون من نخبة أبناء تونس يحاصرون بكل الوسائل بدون تهمة أو دافع قانوني أو غطاء قضائي. تصوروا معي أحد رموز مقاومة الاستعمار علي بن سالم (76) الذي خاض في نضالات نقابية وحقوقية كبيرة ويحاصر في منزله وتقع المضايقات على كل من يزوره محروم من العلاج خارج البلاد لمجرد أنه ينشط للدفاع عن الحريات والحقوق في بلده؟ واليوم ونحن هنا تتضامن نخبة من نساء تونس مع الطالبة السجينة كريمة بوستة في ذكرى الاحتفال بيوم المرأة العالمي.

الجزائر

أما في الجزائر، فقد قتلت أحداث أيلول فكرة "الوئام الوطني" التي سعى الرئيس بوتفليقه لتسويقها عند وصوله للسلطة، ولم تعد الحكومة الجزائرية تشعر بأي حرج في كل ما تفعل. فهي تضرب العرب والبربر وتهزأ بالنضال المطلبي والنضال الديمقراطي وتستقبل الوفود الغربية الحكومية وغير الحكومية لتحدثها عن إنجازاتها في محاربة الإرهاب. تحتفظ الجزائر لنفسها بأكبر عدد للمفقودين والمعتقلين السياسيين في العالم العربي في التسعينات، ويعطي أنموذج المناضل الجزائري من أجل حقوق الإنسان الدكتور صلاح الدين سيدهم الملاحق منذ عام 1994 صورة عن وضع مأساوي لأوضاع الرموز المناهضة للخيار الأمني. فالجراح الجامعي لم ينج لا من تهم الجماعة الإسلامية المسلحة ولا من استشراس الأمن العسكري الجزائري. ورغم ظروف الملاحقة المضنية، أمضى سيدهم السنوات الأخيرة يمد منظمات حقوق الإنسان بكل ما يوثق عملهم من انتهاكات جسيمة وقعت منذ أصبح الحل الأمني الطريق الأوحد لخلاص الجنرالات في الجزائر. قبل أن يخرج للعلن بضغوط عربية ودولية أوقفت ملاحقته ووضعت حد لاعتقاله القصير إثر إضراب عن الطعام والماء، بين أيديكم تقرير للجنة العربية لحقوق الإنسان عن التعذيب في الجزائر، المعتقلون الذين مدونا بالمعلومات غيرت زنلزينهم وقطعوا عن العالم، أما الصحفي الذي يتابع الملف معنا (أنور مالك) فقد وضعته السلطات الجزائرية على قائمة الأنتربول.

موريتانيا

في موريتانيا، لم ينجح معاوية ولد الطايع في البقاء في السلطة رغم قرار التطبيع مع إسرائيل وشن حرب على الإرهاب لم يتورع فيها من تسليم أحد مواطنيه لغوانتانامو. المرحلة الانتقالية التي وعد بها المجلس العسكري احترم فيها وعودا أساسية، والانتخابات الرئاسية حملت كل العفش التاريخي في معركة غير واضحة المعالم، تدخلت فيها التحالفات الآنية والتكوينات القبلية والأجهزة المتحنطة، لكن موريتانيا تعيش اليوم في حالة توازن بين الضعفاء، المعارضة والسلطة كلاهما بحاجة للآخر، فالفقر هو العدو الأكبر للحريات، والفساد إرث سرطاني مازال قائما من عهد الدكتاتورية، وثمة ملفات كالعبودية والمهجرين وعودة العسكريين إلى عملهم بحاجة إلى حلول حكيمة وسريعة ووطنية. المجاهيل كثيرة. ونحن كلجنة عربية نحرص على أن نبقى بتواصل مع التجربة الموريتانية لتعزيز دور المجتمع المدني واستقلال القضاء والدعوة إلى سياسة تنموية تعزز ما تحقق على صعيد حرية التنظم والتجمهر والتعبير.

السودان

السودان مثل أساسي للنتائج الكارثية للحروب الأهلية في بلدان الجنوب، ورغم اتفاق الحركة الشعبية والحزب الحاكم على إجراء تغييرات باتجاه انفتاح سياسي، مازالت الخطوات أقل من الضروري من أجل اللحمة المدنية والوطنية، ومازالت مأساة دارفور رغم المسئولية الكبيرة للسلطات المركزية فيما حدث، خنجرا في خاصرة الحاكم والمحكوم، وقد خرجت من الموازين الداخلية لتدويل لا يخلو من التوظيف. بعد رفض سنتين، حصلنا على السماح بالذهاب لدارفور ونتمنى إرسال بعثة تحقيق في يوليو القادم.

السعودية

لعل الملف السعودي من أردأ ملفات حقوق الإنسان بين أيدينا، يكفي تصفح تقرير اللجنة العربية المرفق بقائمة غير حصرية من 600 معتقل سياسي بدون محاكمة أو حقوق دنيا، ناهيكم عن المعتقلين العراقيين والمعتقلين اليمنيين (لدينا قرابة خمسين شخصا) وغيرهم. اعتقلت المباحث العامة أربعة من أعضاء اللجنة العربية لحقوق الإنسان (متروك الفالح، عبد الرحمن اللاحم، علي الدميني، عبد الله الحامد) في 16 مارس 2004 وأفرجت عنهم بعد محاكمة وأحكام جائرة بعفو ملكي عشية تولي الملك عبد الله الحكم. ولقد استبشرنا خيرا بهذا العفو الذي شمل الشيخ سعيد بن زعير، إلا أن المباحث العامة عادت واعتقلت ابن زعير في أول مناسبة وهو في وضع صحي ردئ، وقد قامت هذه الأجهزة في يومي الجمعة والسبت 2و3/2/2007، باعتقال عشرة شخصيات عامة ومدنية إثر اجتماع جمعهم في جدة. وحتى اليوم ما زال في السجن ثمانية منهم بدعوى "دعم جهود مكافحة الإرهاب وتمويله والقيام بأنشطة ممنوعة تضمنت جمع التبرعات بطرق غير نظامية وتهريب الأموال وإيصالها إلى جهات مشبوهة توظفها في التغرير بأبناء الوطن وجرهم إلى الأماكن المضطربة". والمعتقلون هم سعود مختار الهاشمي، عبد الرحمن الشميري، سليمان الرشودي، عبد العزيز الخريجي، موسى القرني، الشريف سيف الدين فيصل الشريف، محمد حسن القرشي. وكأن وجود مئات المعتقلين دون محاكمة لا يكفي، أصدرت محكمة سعودية تثبيت بالحكم على الدكتور عبد الله الحامد المفكر الإسلامي والناشط الحقوقي بالسجن ستة أشهر وعلى شقيقه بالسجن أربعة أشهر لتضامنهما مع عائلات الرموز المدنية المعتقلة في مطالبتهن بالإفراج عن المعتقلين. لا ننسى أن المدون فؤاد الفرحان مازال في السجن منذ اليوم العالمي لحقوق الإنسان 2007.

قطر

قبل أيلول 2001، كان وزير الخارجية القطري يتحدث عن انتخابات قادمة في 2002 ودولة مؤسسات في صدد التكوين، وتوسيع هامش الحريات ومراقبة دولية لمجريات الدمقرطة في البلاد. لم يجرِ فقط نسيان هذه الوعود، بل تم اتخاذ عدة إجراءات تحدد من الحريات وتقّيد حقوق المواطنين. فقد صدر في 2/7/2002 عن الديوان الأميري القانون رقم 17 "بشأن حماية المجتمع"، في ما يمهد للاعتقال التعسفي لكل مواطن ضمن المنطق الذي يذكرنا بقانون "حماية الجبهة الداخلية والسلام الاجتماعي" للرئيس أنور السادات في 1978 الذي يوسع سقف الاعتقال الإداري حسب رغبة الحاكم. وقد جاء في هذا القانون:

"المادة الأولى: استثناءً من أحكام قانون الإجراءات الجنائية، المشار إليه، يجوز لوزير الداخلية، في الجرائم المتعلقة بأمن الدولة أو لعرض أو خدش الحياء أو الآداب العامة، أن يقرر التحفظ على المتهم إذا ثبت أن هناك مبررات قوية تقتضي ذلك، بناءً على تقرير بالواقعة يرفعه مدير عام الأمن العام.

المادة الثانية: تكون مدة التحفظ أسبوعين قابلة للتمديد لمدة أو لمدد أخرى مماثلة وبحد أقصى ستة أشهر، ويجوز مدها لمدة لا تجاوز ستة أشهر أخرى بموافقة رئيس مجلس الوزراء. وتضاعف مدة التحفظ المشار إليها إذا كانت الجريمة تتعلق بأمن الدولة".

إذاً تصل مدة التحفظ إلى سنتين ويحق لوزير الداخلية إغلاق المكان المرتبط بالجرم. وضمن سياسة لا يمنك تفسيرها بشكل عقلاني، حرمت الحكومة القطرية 5266 مواطن ومواطنة قطرية من الجنسية في أكتوبر/ت1 من عام 2004، ورغم عدة تدخلات في المحافل الدولية ومع اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان في قطر، مازال هناك أكثر من نصف الحالات التي لم يتم تسويتها أو لم تستعد كامل حقوقها.

الأردن

للحقيقة والتاريخ، يمكن القول إن المملكة الأردنية الهاشمية هي صاحبة الرقم القياسي في القوانين المؤقتة والاستثنائية منذ أعلنت حالة الطوارئ على الصعيد العالمي. فقد باشرت المملكة عملية إصدار القرارات المؤقتة لطمس ذاك الهامش الصغير الذي تنفست به البلاد إثر انتفاضة الخبز في نهاية الثمانينات واتفاقية وادي عربة. بلغ عدد القوانين المؤقتة هذه قرابة المائة (أي ثلث ما صدر في البلدان الإسلامية في الفترة نفسها من قوانين ومراسيم استثنائية). فضمن الهجمة الشارونية المسعورة والحرص الأمريكي على تبعية كاملة من المملكة الهاشمية، لا يُستَغرب أن يضحي الملك الشاب بكل ما يتعلق بالحريات الأساسية.

مصر

أما مصر، فتعتبر من أوائل الدول التي سنّت قانوناً خاصاً بمكافحة الإرهاب (القانون 97 لعام 1992). هذا القانون، الذي يخول للشرطة أهم وأخطر اختصاصات القضاء والنيابة العامة، يخالف كل الأصول الإنسانية والدستور والتزامات مصر الدولية. لم تكن مصر بحاجة إلى موجات اعتقال دورية للإخوان المسلمين والاتجاهات الإسلامية الأخرى توجه بها رسائل حسن نية منتظمة للحكومة الأمريكية عبر اعتقال ومحاكمة الإسلاميين المعتدلين بسبب وبغير سبب (5)، خاصة وقد شكلت إحالة الجامعيين المعارضين سلميا إلى محاكم عسكرية منعطفا خطيرا في احترام شكليات الاختصاص في مصر.

لقد أجمعت كل المنظمات الحقوقية ذات المصداقية، على استمرار تجاهل الحكومة للمبادئ الدستورية والقانونية التي استقرت عليها التشريعات العامة التي تنص على إعلاء الشأن الإنساني لكل الأفراد دون تمييز وتحديد دور الدولة في تسيير المجتمع ورعاية شؤون أفراده دون أن يطغى دورها على حقوقه الأساسية المتعارف عليها دوليا، والتزام الدستور والقانون بفتح آفاق العمل الوطني ومجالاته وحرية الرأي والتعبير كحق أصيل لكل فرد وهو ما جاء في التعديلات الدستورية الأخيرة المخالفة لها كالمواد 37 و56 و76 إضافة إلى المادة 179 التي تنص على أن (لرئيس الجمهورية أن يحيل أي جريمة من جرائم الإرهاب إلى أية جهة قضائية) وقد خالفت في صياغتها ثلاث مواد بالدستور نفسه وهي 41 و44 و45 فضلا عن أربع مواثيق عالمية وقّعت عليها الدولة المصرية وهي ملزمة بتطبيقها. الأمر الذي ترجم محليا بمحاكم عسكرية نالت قرابة أربعين كادرا جامعيا وعلميا وطبيا ومن رجال الأعمال بتهم لا يمكن للعقل أو المنطق القضائي قبولها، ورغم تبرئة المحاكم المدنية للمتهمين واصلت المحكمة العسكرية جلساتها لأكثر من سنة وهي تؤجل أحكامها في مساومات سياسية تفقد القضاء العسكري كل معانيه الدستورية والمستقلة.

لقد شهدنا في السنوات الماضية تعزز ظاهرة تزييف إرادة الناخبين والتلاعب بنتائج الانتخابات والاستفتاءات التي تُهْدر شرعية ما ينتج عنها من مواد دستورية وقانونية وتزايد ظاهرة الضغط على القضاء والانتقاص من استقلاليته عن السلطة التنفيذية وعدم الحسم في الاعتداءات البدنية التي وقعت على بعضهم بسبب مواقفهم المستقلة التي لم تتوافق مع توجهات الحكومة السياسية، مع استمرار العمل بقانون الطوارئ (منذ عام 1981). واستمرار الإبقاء على العقوبات السالبة للحرية في قضايا النشر والرأي والتي تم بسببها الحكم على الإعلامية هويدا طه بالسجن لقيامها بإعداد برنامج تلفزيوني عن التعذيب في مصر وحبس المدون عبد الكريم نبيل سليمان لمدة أربعة سنوات بتهمة ازدراء الأديان وإهانة رئيس الجمهورية. وأخيرا وليس آخرا الحكم على أربعة رؤساء تحرير صحف غير حكومية بتهمة الذم والقدح لشخص رئيس الجمهورية بالسجن سنة، إضافة إلى التضييق على إنشاء أحزاب سياسية وممارسة وسائل ضغط مختلفة على المنظمات غير الحكومية وتدجين عدد منها بالترهيب والترغيب. كذلك محاولة تحييد الرأي العام الدولي بتشكيل مجلس قومي لحقوق الإنسان محدود السقف محدود الصلاحيات. لم نر هذا المجلس يتحرك عند قوننة ودسترة الحالة الاستثنائية، بل منعت اللجنة العربية ومنظمات حقوق الإنسان من مراقبة المحاكمات العسكرية! مئات الأشخاص دخلوا السجن في الأشهر الستة الأخيرة بتهمة الانتماء لحركة الإخوان أو تهم أخرى، أحدهم، خالد حمزة، رئيس تحرير موقع الإخوان، كان الكتف الأيمن لبعثة اللجنة العربية لحقوق الإنسان، وقد قررت اللجنة أول أمس، منحه العضوية الفخرية لجهوده الصامتة والكبيرة للدفاع عن الحقوق والحريات في مصر.

اليمن

يبدو الأنموذج اليمني الرسمي أكثر الأمثلة خنوعاً في زمن عولمة الحالة الاستثنائية، وكأنه بصدد التكفير عن مواقف اليمن في حرب الخليج الثانية. يعزو المسئولون اليمنيون موقف حكومتهم إلى كون اليمن طرفا في أكثر من حادثة وقعت ضد المصالح الغربية. ما يجعل اليمن بلدا مستهدفا في حال عدم تعاونه بشكل كامل مع الإدارة الأمريكية. لكن ماذا يعني التعاون الكامل: هل يعني أن تطلب الحكومة اليمنية من الإدارة الأمريكية تصفية مواطنين يمنيين على الأراضي اليمنية؟ أم أن تصبح اليمن البلد الذي يملك العدد القياسي الأكبر في معتقل غوانتانامو (100 من أصل 275). إن هذه السياسة التابعة ستؤدي برأينا، إلى ردود فعل لا حصر لها، خاصة على صعيد العداء للغرب بخيره وشره. ولعل في مأساة اغتيال الأطباء الأمريكيين ما يعطي فكرة عن ردود الأفعال المتطرفة على هذه السياسة المتطرفة في تبعيتها. ولعل من الأرقام التي وصلتنا في الشهر الماضي وجود أكثر من 900 معتقل خارج القضاء، ومن أكثر الخصوصيات اليمنية مأساوية وجود السجون الخاصة في سجون الدولة. ربما سيصعب فهم قضية الجعاشن على مواطن تونسي، لكن أشكال المتنفذين من خارج الدولة وتحت ظلالها يتجسد في شيخ وأعوانه، يمارسون أشكالا للقمع والخوة، لا تختلف عن تلك التي تمارسها أجهزة الأمن في بلدان أخرى. هذه السلطات داخل السلطات المتواطئة مع السلطات، تشكل سدا صينيا في وجه حقوق المواطنة، فليس أنموذج عبيد رئيس قبيلة في موريتانيا أو تسليح الجنجاويد وحيدا. ما زلنا في العديد من البلدان العربية نعيش في ظل المتنفذ الاجتماعي الذي يعزز دور المتنفذ الأمني في مصّ دماء الحقوق الأساسية للناس.

إن معالجة المشكلات بعقلية أمنية وعسكرية رغم وجود مؤسسات مدنية، يحول دور هذه المؤسسات إلى مجرد شاهد زور على انتهاكات لحقوق الإنسان اقتصادية وسياسية وقبلية. وقد برز هذا المنطق جليا في حرب صعدة، حيث همّش المجتمع المدني اليمني عن سابق إصرار وتصميم، ولم يعد من إمكانيات وساطة إلا في دولة عربية خليجية، وكأن صمام الأمان المحلي غير معترف عليه ولا يسمح له بأكثر من التظاهر السلمي للمطالبة بوقف الحرب. أما الانتهاكات التي حصلت، فلا شك بأن تشكيل لجنة تحقيق وطنية مدنية أمر ضروري لتحديد المسئوليات وتخفيف معاناة الضحايا.

العراق

دخلت القوات الأمريكية والقوات الحليفة لها الأراضي العراقية محتلة دون أي غطاء من الأمم المتحدة. وقد توجهت على الفور لمراقبة أوضاع حقوق الإنسان في ظل الاحتلال، كما فعلت اللجنة العربية بإرسالها بعثة تحقيق لدراسة أوضاع الشعب العراقي في ظل الحصار الجائر. وكتبت يومئذ: "لقد زرعت قوات الاحتلال كل الظروف الموضوعية للخراب والفوضى. اليوم قرابة أربعة ملايين مواطن لاجئين ونازحين، أكثر من سبعمائة قتيل، أكثر من مليوني معاق وجريح منذ الاحتلال، 26700 معتقل وأسير في السجون الأمريكية، الثروة النفطية على كف عفريت في مشروع قرار يمكن أن يسلمها لأجيال للشركات المتعددة الجنسيات ويحرم الشعب العراقي من إمكانيات التنمية الاقتصادية كحل وحيد لاسترجاع عافية مفقودة. تطييف للمؤسسات والخطاب السياسي، شوفينية في الخطاب القومي والقومي المضاد، اغتيالات لمئات العلماء والكوادر والصحافيين، أكبر عمليات فساد وسرقة تمت في خمس سنوات في التاريخ المعاصر. لقد أعطت الإدارة الأمريكية لديمقراطيي العالم المثل على ما لا يجب فعله أو التورط فيه. فلسطين

شكّل الشعب الفلسطيني قربان الحرب ضد الإرهاب. وبتضحياته فرمل الهجوم الأمريكي على المنطقة. فدول أوروبا التي وقفت لأول مرة في تاريخها 3 دقائق صمت على الضحية الأمريكية لم تستطع مسايرة التبسيطية الخبيثة للإدارة الأمريكية التي حولت النضال الفلسطيني إلى جزء من الإرهاب العالمي وألبست آرييل شارون ثوب رجل السلام. في هذا المعمعان، تم اغتيال القانون الدولي الإنساني في وضح النهار عبر جرائم حرب منهجية ترتكبها قوات الاحتلال منذ مطلع الانتفاضة. وتقوم قوات الاحتلال بتدمير المساكن والقتل المتعمد خارج القانون وتطبيق حصار صحي ومعاشي على الأفراد ومصادرة الأراضي وضرب المناطق الزراعية وقتل الأطفال والمدنيين بشكل عادي دون أية إدانة من مجلس الأمن في مستوى الجرائم بسبب التواطؤ الأمريكي. يبلغ عدد المعتقلين في السجون الإسرائيلية قرابة 12000 سجين وموقوف. جدار فصل عنصري، وسجن لقطاع غزة بأكمله في حصار غذائي ودوائي ومعاشي. لقد ارتكبت إسرائيل في السنوات الثمانية الأخيرة كل الجرائم الجسيمة المدونة في ميثاق روما، ولا شك بأن الإدارة الأمريكية والدول المتحالفة معها تتحمل مسئولية كبيرة في غياب المحاسبة والاستمرار في حرب الإبادة البطيئة للشعب الفلسطيني.

لقد استنفرت المؤسسة الصهيونية العالمية كل ما بوسعها لضرب القضية الفلسطينية. عبر محاربة حق المقاومة بكل الوسائل، وسعى مسئولون في الجالية اليهودية لربط مكافحة الصهيونية بالعداء للسامية والتغطية على التطرف الأمريكي الصهيوني حتى في أوساط المنظمات غير الحكومية. رغم توثيق جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية بحق أهم قادة الدولة العبرية، ما زال هناك استشراس لحماية الابن المدلل للهيمنة الغربية على العالم العربي. ولا بد من ابتكار يومي لوسائل جديدة للمقاومة والمحاسبة من أجل التمكن من خلق تناسب الحد الأدنى بين الجريمة والعقاب. إن في ذلك ليس فقط مصداقية الحركة العالمية لحقوق الإنسان، وإنما أيضاً الأسس التي يقوم عليها المفهوم الغربي للقانون الدولي. البحرين

في هذا الوضع المتردي، كنا سعداء بالاستثناء البحريني في بدايته. فمن جهة، خلقت إجراءات العفو دينامية مجتمعية متقدمة وكسرت حاجز الخوف وانعدام الثقة وفتحت آفاقا إيجابية للمستقبل. من جهة ثانية، استفاد المعسكر المحافظ من أحداث أيلول للمطالبة بوقف الإصلاحات والحذر في إعادة تكوين الهيكل التشريعي وجعل العفو يشمل الجرائم الكبرى التي لا تزول بالتقادم كجريمة التعذيب والقتل خارج القضاء. فوفقاً للمرسوم 56 لسنة 2002 الذي يفسر بعض أحكام المرسوم بقانون رقم 10 لسنة 2001، يشمل العفو الجرائم المرتكبة من موظف عام مدني أو عسكري مهما كانت مساهمته في الجريمة أصلية أم شريكة ومهما كانت طبيعة الجرم. وجاء قانون تنظيم الصحافة والطباعة والنشر، الذي صدر ليوم واحد قبل الانتخابات التشريعية، والذي ورد في الفصل السادس منه والمادة 77 بما يتنافى مع مبدأ الشفافية والديمقراطية وينطوي على تقييد غير مبرر لصحفيين ويعرضهم لعقوبات قاسية.

شهدت البحرين عدة حملات اعتقال في الأعوام الأخيرة بعد أن نظفت سجونها، وقد رأيت بأم عيني قبل عامين، كيف تعاملت أجهزة الأمن مع تجمع سلمي حيث لم تكتف بالقنابل المسيلة للدموع والضرب وإطلاق عيارات نارية والاعتقال، بل وضعتنا تحت رقابة الهليكوبتر وحصار بوليسي خانق لعدة ساعات.

ليبيا

ليبيا التوبة القذافية أنموذج للعلاقة بين الإدارة الأمريكية ومعظم الحكومات الغربية وحقوق الإنسان. فمنذ انضم العقيد للجوقة في مزاودات الحرب على الإرهاب، أخذ بطاقة حسن سلوك لا يهزها انتهاك ولا تحتاج إلى تعديل سلوك تجاه الحقوق الإنسانية في بلاده. ولعل في اعتقالات 16/2/2007 لأربعة عشر مناضلا للحقوق المدنية، وللمرة السابعة في الشهر الماضي لم يظهر اثنان من المعتقلين 14 الذين تجري محاكمتهم (جمعة بوفايد وعبد الرحمن القطيوي) ولدينا كل المخاوف المشروعة على سلامتهما.

عولمة حالة الطوارئ

ناهيكم عن انتهاكات دول ذكرناها وأخرى لم يتسع لها الوقت، بودي الإشارة إلى الترجمة العربية لعولمة حالة الطوارئ على عدة أصعدة، حيث يوجد لدينا اليوم ما يمكن تسميته "السجناء العرب بلا حدود". وهي ظاهرة تشمل حوالي 10 آلاف إنسان، تنتشر من باكستان وحتى كاليفورنيا، وموجودة في الدول المجاورة لبعضها البعض. ففي سوريا يوجد سجناء عراقيون وسعوديون، وفي العراق سجناء عرب، وفي الكويت سجناء عراقيون أو من دول أخرى، وفي السعودية سجناء يمنيون وعراقيون وخليجيون ومن جنسيات أخرى، وفي مصر سجناء سودانيون. كما أن هناك معتقلون عرب خارج الحدود في المنطقة العربية وخارجها بعدد كبير.

هناك أيضا ظاهرة يمكن تسميتها "سجون بلا حدود" مثل سجن غوانتانامو، أو السجون السرية الموجودة في الأردن ورومانيا وبولونيا ودول أخرى كثيرة من العالم.

هناك أيضا ما يمكن الاصطلاح عليه ب"التحقيق بلا حدود"، حين يأتي مسؤولون من لجان التحقيق من مكتب التحقيقات الفيدرالي "إف بي آي" إلى عدد من الدول العربية - وللإشارة رصدنا منها خمس دول- ويقومون بالتحقيق مع المحققين المحليين. لقد انتقلنا مع العولمة المطبوعة بهيمنة القطب الأميركي إلى ما يمكن تسميته "الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان بلا حدود"، وعولمة حالة الطوارئ، وعولمة التعذيب والاعتقال التعسفي والسجون خارج القضاء، وعولمة القتل خارج القضاء.

يوجد اليوم في العراق لوحده حوالي 8 مصادر أساسية للقتل خارج القضاء، وليس غريبا أن تكون من بينها قوات الاحتلال وميليشيات وزارة الداخلية وأطراف إرهابية، كما أن الجريمة المنظمة في العراق لها حظها من اختطاف الناس وطلب الفدية، أو قتلهم إذا لم تمتثل العائلات أو الجهات السياسية المعنية.

صورة جيوسياسية

بعد هذا العرض السريع للنتائج المباشرة على حقوق الإنسان في العالم العربي، سنحاول رسم معالم الصورة الجيو سياسية آخذاً بعين الاعتبار الحريات الأساسية وحقوق الإنسان:
  • إن حاجة الإدارة الأمريكية لأجهزة الأمن العربية في حروبها الخارجية "أعادت الاعتبار" لهذه الأجهزة وجعلت من الخطاب الأمريكي حول الديمقراطية في العالم العربي أضحوكة لا تنطلي على أكثر الناس سذاجة.
  • من الواضح أن النتيجة الأساسية على الصعيدين النفسي والسياسي لتهافت الأنموذج الغربي لحقوق الإنسان، هو إفلات الدكتاتوريات الصغيرة من عقالها. فمن يبني سجن "إكس ري" في غوانتانامو غير قادر على المطالبة بإغلاق السجون العربية والإسرائيلية السيئة الصيت. ومن يصّوت على القانون الوطني لن يعترض على القوانين الاستثنائية في العالم العربي. لم تعد حقوق الإنسان في الخطاب الأمريكي الرسمي سوى عبارات مفرغة من معانيها تستهلكها الإدارة الحالية مع خصومها السياسيين على الصعيد العالمي.
  • بعد إفلاسه في معارك الديمقراطية والتنمية والوحدة القومية، لم يعد للنظام العربي، مع تصويت سورية باسم المجموعة العربية على القرار 1441، ما يقوله في السيادة والاستقلال والقرار القومي. فالقواعد الأمريكية توسعت في الجزيرة والخليج، والوجود المخابراتي الأمريكي أصبح في أهم مراكز التحقيق في العالم العربي، حيث الأجهزة الأمنية العربية تقدم للدولة العظمى ما تطلب وما لا تطلب، وهي تعرف جيداً حجم التنسيق الأمريكي الإسرائيلي.
  • إن رفض معظم الأنظمة العربية المراهنة على شعوبها والتعاون مع الإدارة الأمريكية في مشروعاتها الإقليمية، قد جعل منها ليس فقط السلطة التي تنتهك حقوق مواطنيها وترفض أي انفراج وإصلاح سياسي، بل أحد أهم المنتجين للعنف المجتمعي، مع كل ما يترتب على ذلك من نتائج على السلمين الأهلي والعالمي.
ما العمل؟ في ظل حالة الخراب السائدة هذه، هل ما زال بإمكاننا الفعل عربيا وعالميا، أم أننا خرجنا نهائيا من حركة التاريخ حكاما ومحكومين؟

برأينا، إن الهاوية التي سقط فيها النظام العربي وإن كانت ستترك آثاراً على المجتمعات؛ فإنها لن ترسم بالضرورة مستقبل الشعوب. وإن كانت هذه الشعوب الخارجة من محنة الاستبداد ومنظومة الفساد وتأصل الجهاز التسلطي فوق رؤوسها قد خسرت جزءاً هاماً من كرامتها ووعيها وقدرتها على المبادرة؛ فإن الانتحار الجماعي ظاهرة غير عربية ولا تنتمي إلى الثقافة الشرقية التي حرمت الانتحار بكل أشكاله ومبرراته. من هنا، لدينا الثقة بأن عملية التعفن الحالية، وإن كانت مشوهة بالعنصرية حيناً، وبالانغلاق على الذات أحيانا أخرى، أو بالتطرف الأعمى كرد فعل، فهي كما تقول الكيمياء الحديثة: مصنع الحياة، وبإمكانها أن تحمل بذور مستقبل مختلف لأطفالنا. والسؤال، هل يمكننا لعب دور في ذلك، أم أن جيلنا قد استنفد دوره؟

كما سبق وذكرت في أكثر من مكان في الأيام الأخيرة: ليس بوسع الحوانيت الصغيرة للدفاع عن حقوق الإنسان أو أشباه الأحزاب والنقابات المفصلة من فوق الرد على تحديات المرحلة. لعل مهمات كهذه تتطلب إعادة النظر في البرامج النضالية للمنظمات غير الحكومية على الصعيد العربي والعالمي. فخضوع السلطة السياسية لقانون الأقوى، والقدرة على تحجيم مقاومة الحكومات، وغياب الشرعية عن معظم السلطات التنفيذية العربية ومحاولات التدخل المباشر في سياسة دول حلف شمالي الأطلسي من قبل الولايات المتحدة؛ كل هذا أعطى لتعبيرات المجتمع المدني دورا مركزيا في إعادة بناء المقاومة للدفاع عن الحريات والحقوق. فهذه التعبيرات لم تعد فقط الوسيط بين المجتمع والدولة، وصمام الأمان تجاه العنف الداخلي، والرابط بين الشعوب والثقافات وآخر قلعة للدفاع عن مفهوم التضامن الأممي، بل أصبحت اليوم، باستعارة تعبير محمود محمد صلاح ومورو دوفارغ، المتحدث الرسمي باسم أخلاقية عالمية ضربها النظام العالمي الحالي في مكوناته البنيوية: اقتصادية كانت أم سياسية أم عسكرية.

إن شكّل العدوان الواسع على العراق بداية حقبة جديدة يسحق فيها قانون القوة قوة القانون، فالرد على عنجهية القوة يتطلب الانتقال إلى المبادرة لجمع السياسي والحقوقي. أصوات مناهضة الهيمنة الأمريكية والمدافعين عن حقهم في الاختلاف، النقابي التقدمي والعامل في المجال الإنساني والخيري، المثقف النقدي ورجل الدين المقاوم، الحزب السياسي والمنظمة غير الحكومية. كل هذه القوى يقع على عاتقها إعادة تكوين شبكات المقاومة والدفاع عن الكرامة الإنسانية في لحظة حاسمة من لحظات التحلل السياسي والتعفن المؤسساتي ومحاولات استثمار وضع عربي منهار، لتعزيز الاستغلال والاستبداد على الصعيد العالمي.

في معمعان بناء جبهة ديمقراطية واسعة على الصعيد العالمي، يمكن الرد على التحديات الفعلية لعولمة الحالة الاستثنائية، أي مأساة انتصار البربرية في العقول والممارسات والمؤسسات(6).

__________

* مفكر عربي والمتحدث باسم اللجنة العربية لحقوق الإنسان

هوامش:
  1. انظر: هيثم مناع، مترتبات السياسة الأمريكية في حقوق الإنسان على الأوضاع العربية، محاضرة بدعوة من الجمعية البحرينية لحقوق الإنسان، المنامة في 14/12/2002. أيضا كتاب الولايات المتحدة وحقوق الإنسان.
  2. طلال الخالدي، ساعة ونصف هزت العالم، خريف دمشق والمستجدات العالمية، مقاربات، العدد الرابع والخامس 2002.
  3. من شهادة السيد أحمد حميد سعيد، 31/1/2002، أرشيف اللجنة العربية لحقوق الإنسان.
  4. من شهادة السيد خالد الدوسري، 22/9/2002، أرشيف اللجنة العربية لحقوق الإنسان. لم يكن ملف الدوسري قد أُغلق بعد عندما اعتقلت السلطات الأردنية في 24 رمضان مهندس الكومبيوتر ياسر فتحي إبراهيم فريحات وتحدثت وزارة الإعلام الأردنية عن دوره في اغتيال الدبلوماسي الأمريكي فولي وإحالته إلى محكمة أمن الدولة. انتزعت من ياسر تحت التعذيب إفادة بتورطه للاستهلاك الإعلامي وقد أحيل إلى محكمة أمن الدولة وحكم عليه بالإعدام مع سالم سعد سالم بن صويد (ليبي الجنسية) في 11/3/2006.
  5. انظر حول الموضوع: مها يوسف، عماد مبارك، مصطفي الحسن، القوانين الاستثنائية وحق التنظيم في مصر، اللجنة العربية لحقوق الإنسان ومنشورات أوراب، باريس 2002
  6. أنظر: هيثم مناع، العدالة أو البربرية، الأهالي واللجنة العربية لحقوق الإنسان وأوراب، 2006.
* محاضرة ألقيت في مدينة تعز- اليمن في 8 مارس 2008 يوم المرأة العالمي، بدعوة من ملتقى المرأة للدراسات والتدريب

الرئيسية | عن الشبكة | بريد | بيانات إعلامية | تقارير ودراسات | موضوع للمناقشة | خطوة للأمام | حملات | النشرة الأسبوعية | مواثيق وإتفاقيات | أجندة حقوق الإنسان | خدمات | دليل المواقع | اصدارات حقوقية | جوائز حقوق الانسان | مؤسسات على الشبكة
الرئيسية
جميع الحقوق © محفوظة للمؤسسات الصادر عنها المواد المنشورة
مصرح بنشر اصداراتنا مع ذكر المصدر و الوصلة الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان 2003 - 2009
المواد المنشورة تعبر عن أراء كتابها ، مؤسسات أو أفراد ولا تعبر بالضرورة عن موقف الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان

ifex