الرئيسية »» دولية و إقليمية »» منظمة العفو الدولية

الجزائر: قانون العفو الشامل يحمل خطر إضفاء الشرعية على الإفلات من العقاب عن جرائم ضد الإنسانية

14/4/2005

بيان مشترك
حذرت مجموعة من منظمات حقوق الإنسان اليوم من أن مقترح الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة بإصدار عفو شامل عن انتهاكات حقوق الإنسان، التي ارتكبت إبان النـزاع الداخلي الوحشي في البلاد، يمكن أن يحرم الضحايا أو عائلاتهم بصورة نهائية من حقهم في الكشف عن الحقيقة، وفي إقامة العدالة وتحقيق الإنصاف.

وهذه المنظمات هي منظمة العفو الدولية، ومراقبة حقوق الإنسان، والمركز الدولي للعدالة الانتقالية، واللجنة الدولية للقضاة المحلفين، والفدرالية الدولية لحقوق الإنسان.

ويقترح الرئيس عبد العزيز بوتفليقة إصدار قانون بعفو شامل كخطوة نحو "المصالحة الوطنية". كما أعلن في فترة قريبة أنه يفكر في إجراء استفتاء بشأن القانون "حالما تتوفر الظروف اللازمة لذلك".

ولم يعرف حتى الآن إلا القليل عن مقتضيات العفو المقترح. إذ لم تُنشر على الملأ أية مسودة لمثل هذا القانون، غير أن التصريحات الرسمية تشير إلى أن القانون سوف يستثني من المقاضاة أي عضو في مجموعة مسلحة، أو في ميليشيا سلحتها الدولة، أو في أي من قوات الأمن، عن الجرائم التي ارتكبت في مجرى النـزاع، بما في ذلك الانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان.

ويأتي هذا المقترح بعد سنوات من تقاعس السلطات الجزائرية عن التحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان التي ارتكبت إبان النـزاع الأهلي، الذي اندلع في 1992. ويكتسي هذا التقاعس خطورة خاصة في ضوء شدة هذه الانتهاكات ومدى اتساع نطاقها، حيث وصل بعضها إلى مرتبة جرائم ضد الإنسانية.

وكان الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، قد قال في تصريحات أدلى بها مؤخراً، إن ما يربو على 200,000 شخص قد قتلوا إبان النـزاع. وعشرات الآلاف من هؤلاء هم من الرجال والنساء والأطفال المدنيين الذين قتلوا في هجمات اتسمت بالعنف. كما تعرض الآلاف للتعذيب أثناء الاحتجاز. و"اختفى" آلاف غيرهم إثر اعتقالهم على أيدي قوات الأمن أو اختطافهم من قبل الجماعات المسلحة، وإعدامهم إعداماً فورياً.

وفي الأغلبية الساحقة من الحالات، لم تتخذ السلطات أي إجراءات لتوضيح ظروف الجرائم وتقديم الجناة المشتبه فيهم إلى العدالة، على الرغم من الجهود المضنية للضحايا وعائلاتهم في البحث عن الحقيقة، وتقديم المعلومات إلى السلطات القضائية في القضايا التي تم تقديم شكاوى بشأنها.

إن إصدار عفو شامل، في هذا السياق، من شأنه أن يترك إرث الماضي دون تسوية، وربما يقوض بصورة دائمة أية آفاق مستقبلية لتوفير الحماية الكاملة لحقوق الإنسان. ويحتمل أن يحول نهائياً كذلك دون الكشف عن حقيقة جرائم الماضي في المحاكم الجزائرية، وبذا يصبح عقبة في طريق أية فرصة لتحقيق العدالة، واعتماد المساءلة كجزء من عملية الانتقال إلى حالة السلم.

ومن شأن العفو كذلك أن يضفي الصبغة القانونية على التقاعس عن إجراء التحقيقات في آلاف حالات "الاختفاء". ففي نهاية مارس/آذار، رفعت لجنة معينة من قبل الدولة خاصة بحالات "الاختفاء"، وعرفت بصورة عامة باسم "الآلية الخاصة"، تقريراً وتوصيات إلى الرئيس عبد العزيز بوتفليقة. ولم ينشر هذا التقرير على الملأ. وبحسب التقارير الإعلامية، فقد ورد في التقرير أن 6,146 شخصاً قد "أُخفوا" على أيدي قوات الأمن ما بين 1992 و1998، بالاستناد إلى الشكاوى المقدمة من الأهالي، بينما تمثلت التوصية الرئيسية فيه بتقديم التعويضات إلى عائلات الضحايا. وحتى الآن، لم تظهر أية تفاصيل بشأن كيفية تخصيص التعويضات من الناحية العملية، وطبيعة الموارد المالية وسواها من الموارد التي ستقدمها الدولة.

إن الاعتراف الرسمي بأن آلاف عمليات "الإخفاء" قد ارتكبت على أيدي عملاء الدولة يشكل تطوراً له أهميته. بيد أن صلاحيات اللجنة لم تتضمن أي تفويض بالكشف عن مصير وأماكن من "اختفوا"، أو بتحديد المسؤولين عن ذلك. وقال رئيس اللجنة، فاروق قسنطيني، في مقابلات صحفية دونما تقديم أية شواهد، إن عمليات "الإخفاء" كانت مجرد حوادث معزولة لعملاء أفراد للدولة، في محاولة منه لتبرئة القادة المسؤولين عن هؤلاء من أية مسؤولية جنائية، وإعفاء الدولة من واجب التحقيق، وتقديم المسؤولين عن الجرائم للمساءلة. كما شدد فاروق قسنطيني أيضاً على أنه ينبغي لعملاء الدولة الاستفادة من تدبير العفو الشامل المقبل.

وقد قرأت منظمات عائلات "المختفين" هذه التصريحات على أنها تنكر نهائي للحقيقة والعدالة. فالعائلات لم تألُ جهداً لتعقب آثار الأقارب "المختفين"، وأحياناً لأكثر من عقد من الزمن، وكابدوا خلال ذلك المعاناة الشديدة في مسعاهم لمعرفة ما إذا كان هؤلاء أحياء أم فارقوا الحياة. وقد شهدت شكاواهم التعطيل في المحاكم الجزائرية أو تم إقفالها بسبب عدم رغبة السلطات القضائية في إجراء تحقيقات حقيقية. وحتى الآن، لم تُقدم ولو إلى عائلة واحدة من عائلات "المختفين"، بحسب معرفة المنظمات الموقعة على هذا البيان، معلومات يمكن التحقق منها بشأن مصير أو أماكن تواجد أقاربهم.

إن المنظمات الموقعة تعترف بأنه ينبغي للجزائريين أنفسهم أن يحددوا الطرق المناسبة لمعالجة إرث الماضي في الجزائر، وذلك عبر حوار وطني يسود فيه الاحترام لحرية التعبير والتجمع والانتماء الطوعي إلى الجمعيات، وللحق في المعرفة. بيد أنه لا يمكن تقديم التنازلات بشأن المبادئ الأساسية للحقيقة والعدالة والإنصاف. والمنظمات الموقعة تعارض كل عفو وكل صفح، وما شابه ذلك من تدابير من شأنها أن تحول دون الكشف عن الحقيقة، وصدور حكم قضائي قاطع بالذنب أو البراءة، وحصول الضحايا وعائلاتهم على التعويضات بصورة وافية. وفيما يتعلق باحتمال إجراء استفتاء حول قانون العفو الشامل، فإن المنظمات الموقعة تذكر الحكومة الجزائرية بأنها لا تستطيع تفادي التزاماتها الدولية عن طريق اعتماد تشريع وطني يتناقض معها، بغض النظر عما إذا جرى ذلك عن طريق البرلمان، أو من خلال استفتاء عام. فاحترام الحقوق الإنسانية الأساسية وحمايتها لا يمكن أن يكون موضوعاً يخضع للتصويت.

إن كل عفو شامل أو قرار بالصفح، أو أي تدبير مماثل يمكن أن يؤدي إلى إفلات الجناة من العقاب عن جرائمهم ضد الإنسانية وسواها من الجرائم الخطيرة ضد حقوق الإنسان، كالتعذيب وعمليات الإعدام خارج نطاق القضاء و"الإخفاء"، يعتبر مناقض للمبادئ الأساسية للقانون الدولي. وقد أعلنت سلطات من قبيل الأمين العام للأمم المتحدة وهيئات دولية وإقليمية تتمتع بالصلاحية ومحاكم دولية خاصة أنه ينبغي أن لا تكون هناك قرارات عفو أو تدابير مماثلة من شأنها أن تكفل الحصانة من العقاب عن الجرائم الخطيرة ضد حقوق الإنسان.

والمنظمات الموقعة تكرر دعوتها إلى الحكومة الجزائرية بأن تحترم حق جميع ضحايا الانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان في الكشف عن الحقيقة وفي العدالة والإنصاف. وتعتقد أن مثل هذه الضمانات أساسية لأية عملية مصالحة. وهي في غاية الضرورة أيضاً، بين جملة تدابير، من أجل إرساء أسس راسخة لمستقبل حماية حقوق الإنسان.

خلفية
أثار الرئيس بوتفليقة للمرة الأولى علناً فكرة إصدار عفو شامل في نوفمبر/تشرين الثاني 2004. ويأتي هذا المقترح في أعقاب تدابير كان القصد المعلن منها هو التوصل إلى مصالحة وطنية. ففي 1999، منح القانون المدعو "قانون الوفاق الوطني" صفحاً عن أعضاء الجماعات المسلحة الذين يستنكرون العنف. وأعفى القانون من لم يرتكبوا القتل أو الاغتصاب أو يضعوا متفجرات في أماكن عامة من المقاضاة، بينما وعد من ارتكبوا مثل هذه الجرائم بأحكام مخففة.

ولم يرد سوى القليل من المعلومات حول تطبيق هذا القانون وحول الإجراءات القضائية التي اتخذت ضد أعضاء الجماعات المسلحة الذين تبين أنهم قد ارتكبوا جرائم خطيرة ضد حقوق الإنسان. وتشير التقارير الواردة من نشطاء محليين أو ضحايا أو عائلاتهم إلى أنه لم تجر بصورة عامة تحقيقات قضائية، وأن آلافاً من أعضاء الجماعات المسلحة قد حصلوا على عفو بحكم الأمر الواقع من المقاضاة، ومن دون أي تقص لما إذا كانوا قد ارتكبوا انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان أم لا.

كما منح مرسوم جمهوري صدر في يناير/كانون الثاني 2000 العفو لمئات من أعضاء جماعات مسلحة بعينها كانت قد أعلنت وقفاً لإطلاق النار في 1997، وبغض النظر عما إذا كانت قد ارتكبت أم لم ترتكب انتهاكات لحقوق الإنسان.

موضوع صادر عن :

منظمة العفو الدولية
منظمة العفو الدولية