الرئيسية »» دولية و إقليمية »» منظمة العفو الدولية

الجزائر- الرئيس يدعو إلى استفتاء عام لإلغاء جرائم الماضي

22/8/2005

أصدر الرئيس عبد العزيز بوتفليقة في 15 أغسطس/آب مرسوماً جمهورياً بشأن "مشروع الميثاق من أجل السلم والمصالحة الوطنية"، يرسي الأسس لإطار من التدابير المستقبلية الهادفة، في نهاية الأمر، إلى إسدال الستار على عقد من الصراع العنيف. ويأتي إصدار المرسوم الجمهوري إثر حملة رسمية مطولة في صالح إصدار عفو عام في البلاد.

ويتضمن الميثاق أحكاماً ترمي إلى إعفاء قوات الأمن والقوات المسلحة، على السواء، من المساءلة عن الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان.

ومثل هذه الأحكام لا تتماشى مع التزامات الجزائر، بمقتضى القانون الدولي، ويمكن أن تسدل الستار الأخير على الحقيقة والعدالة المتعلقتين بمئات آلاف الضحايا وعائلاتهم.

ولم يتضح بعد ما إذا كان الميثاق سيمهد الطريق لقانون للعفو العام، أو لسلسلة من التدابير الأخرى، نظراً لعدم صدور أي تفاصيل حتى الآن في هذا الشأن.

ويقترح الميثاق تدابير لإعفاء أعضاء الجماعات المسلحة الحاليين والسابقين من المقاضاة، أو للصفح عنهم، وبعض هؤلاء مسؤول عن انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان.

كما يدَّعي أن قوات الأمن والمليشيات التابعة للدولة، التي ارتكبت انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان، تصرفت في مصلحة البلاد، ولا يعترف بأنها يمكن أن تكون مسؤولة عن جرائم خطيرة. وينكر الميثاق على نحو محدد أن قوات الأمن كانت مسؤولة عن تنفيذ آلاف حالات "الإخفاء".

وسيصوِّت الجزائريون على الميثاق في استفتاء عام يجرى في 29 سبتمبر/أيلول.

وفي خطاب ألقاه الرئيس بوتفليفة في 14 أغسطس/آب، قدَّم الرئيس الميثاق على أنه الخيار الوحيد أمام الجزائريين للبدء بعملية انتقالية نحو السلم.

إن خلو الميثاق من أي التزام بالتحقيق في ما ارتكب من انتهاكات جسيمة إبان النـزاع الأهلي في الجزائر يثير بواعث قلق خطيرة من أن التدابير المقترح ستعزز مناخ الإفلات من العقاب، وستؤدي في النهاية إلى التشجيع على ارتكاب المزيد من الانتهاكات في الجزائر.

وفي أبريل/نيسان، دعت منظمة العفو الدولية وأربع منظمات دولية رئيسية أخرى لحقوق الإنسان السلطات الجزائرية إلى احترام حق جميع ضحايا الانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان في معرفة الحقيقة، وفي العدالة والإنصاف، في أي خطة "للمصالحة الوطنية".

وطبقاً للبيانات الرسمية، فإن نحو 200,000 شخص قد قتلوا إبان النـزاع في الجزائر منذ 1992. ويُعزى بعض أعمال القتل هذه إلى الجماعات المسلحة، بينما يُعزى غيرها إلى قوات الأمن وإلى المليشيات التي سلحتها الدولة.

وفي الأغلبية العظمى من الحالات، لم يجر أي تحقيق مستقل لتحديد المسؤولية عن أعمال القتل وتقديم الجناة إلى العدالة.

وبينما يعترف الميثاق بأن انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان قد ارتكبت على أيدي الجماعات المسلحة، ينكر أن قوات الأمن أو المليشيات المسلحة من قبل الدولة قد كانت مسؤولة أيضاً عن انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان، في محاولة مكشوفة لإسكات الدعوات المستمرة إلى فتح تحقيقات في مثل هذه الجرائم.

وتخشى منظمة العفو الدولية أن تفضي مثل هذه النصوص، في النتيجة، إلى سن قوانين تعفي القوات المسلحة والمليشيات التي كانت تعمل بصورة وثيقة معها من المقاضاة أمام المحاكم الجزائرية.

فالمعلومات التي جمعها ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان وأقارب الضحايا وناشطو حقوق الإنسان تشكل سجلاً من الأدلة التي تشير إلى مسؤولية قوات الأمن والمليشيات المسلحة من قبل الدولة عن انتهاكات لحقوق الإنسان ارتكبت منذ 1992.

وتتضمن هذه الانتهاكات، التعذيب وعمليات "الإخفاء" والإعدام خارج نطاق القضاء، وهي جرائم خطيرة بمقتضى القانون الدولي، واتسمت، في بعض الحالات، بالانتشار على نطاق واسع وبالمنهجية إلى حد أنها تشكل جرائم ضد الإنسانية.

وحتى الآن، لم تقدَّم السلطات الجزائرية أي معلومات تُذكر يمكن التحقق منها بشأن الحالات التي قُدم فيها أفراد من قوات الأمن إلى المحاكمة عن انتهاكات حقوق الإنسان تلك.

وقد وردت مزاعم كذلك بأن وحدات بعينها من الجيش وقوات الأمن قد تقاعست عن منع وقوع انتهاكات ارتكبتها الجماعات المسلحة، وربما كانت تعمل بالتعاون معها. وحتى هذا اليوم، لم يجر التحقيق في هذه المزاعم.

وينكر الميثاق على نحو خاص مسؤولية الدولة عن عمليات "الاختفاء"، ويدعي أن أي أفعال خاطئة تبين أنها من فعل ممثلي الدولة قد جرت معاقبة مرتكبيها. ويتناقض هذا بصورة فاضحة مع التجارب التي مرت بها عائلات "المختفين" لأكثر من عقد من الزمن.

فقد "اختفى" آلاف المواطنين الجزائريين إثر اعتقالهم ما بين 1993 و2002

وما زال هؤلاء مجهولي المصير على الرغم من جهود عائلاتهم.

وطبقاً لمعلومات منظمة العفو الدولية، لم تؤد ولو واحدة من مئات الشكاوى التي قُدِّمت إلى المحاكم الجزائرية إلى تحديد مصير أو مكان وجود شخص واحد "اختفى"، أو إلى مقاضاة ولو رجل أمن واحد، حتى في الحالات التي تمكن فيها شهود العيان من التعرف على الجناة المزعومين.

ويعد الميثاق عائلات "المختفين" بالتعويض والاعتراف بهم بصفتهم "ضحايا للمأساة الوطنية"، إضافة إلى تدابير غير محددة لمساعدتهم على التغلب على الصعوبات التي يمكن أن تعترضهم.

بيد أنه لا يعترف بضرورة التحقيق فيما حدث للأشخاص "المختفين"، الذين ما زال مصيرهم مجهولاً، والذين لا تزال الآمال تعمر قلوب عائلاتهم بإمكان أن يكونوا على قيد الحياة في مكان ما من أماكن الاعتقال.

إن منظمة العفو الدولية ترحب بالوعد بالتعويض المالي لعائلات ضحايا "الاختفاء"، ولكنها تعتقد أن هذا لا يمكن أن يكون بديلاً عن الإنصاف الكامل، الذي يتضمن إعادة الحق إلى أصحابه وإعادة التأهيل والإرضاء وضمانات عدم التكرار، إلى جانب التعويضات المالية. فبموجب القانون الدولي

تعتبر عمليات "الاختفاء" انتهاكاً مستمراً إلى أن يجري الكشف عن مصير الشخص "المختفي" ومكان وجوده. ومن الضروري اتخاذ تدابير عاجلة لإجراء تحقيقات في القضايا واحدة تلو الأخرى من أجل إيضاح ما إذا كان الشخص حياً أم ميتاً، وماذا حدث أثناء الاحتجاز، ومن هو المسؤول عن "الاختفاء".

وقد يوفر الميثاق الأساس أيضاً لتقييد حقوق الضحايا وناشطي حقوق الإنسان في الإعلان عن الانتهاكات التي ارتكبها وكلاء الدولة وتنظيم الحملات بشأنها. فهو يدعو الجزائريين إلى الموافقة على فرض حظر على قيام أي شخص، داخل الجزائر أو خارجها، "بالتذرع بما خلفتة المأساة الوطنية من جراح" كي يشوه صورة مؤسسات الدولة وممثليها.

ومنظمة العفو الدولية تعتقد أن هذا يشكل تهديداً خطيراً لضحايا انتهاكات الدولة وعائلاتهم، وكذلك ضد ناشطي حقوق الإنسان والمحامين، نظراً لإمكان استخدامه لتجريم الأنشطة المشروعة للحملات من أجل الحقيقة والعدالة. ومثل هذا النص يمكن، بالتالي، أن يقوِّض حقهم في حرية التعبير والتجمع.

وفيما يتعلق بأعضاء الجماعات المسلحة الحاليين أو السابقين، يقترح الميثاق مجموعة من التدابير التي تعفي من المقاضاة من يسلِّمون أنفسهم إلى السلطات، أو من سلَّموا أنفسهم إليها في سنوات سابقة.

ويستثنى من هذه التدابير المطلوبون أو المحكومون بجرائم القتل الجماعي أو الاغتصاب أو وضع متفجرات في أماكن عامة، ولكن هؤلاء مؤهلون أيضاً لأن تصدر بحقهم أحكام مخففة من خلال قرار رسمي بالصفح.

إن الجماعات المسلحة قد كانت مسؤولة عن جرائم خطيرة إبان النـزاع الأهلي من قبيل الاختطاف والتعذيب والقتل غير المشروع والمتعمد للمدنيين، بمن فيهم النساء والأطفال.

وبعض هذه الانتهاكات ترقى إلى مرتبة جرائم ضد الإنسانية، غير أن السلطات الجزائرية قد تقاعست حتى الآن عن التحقيق في الأغلبية العظمى من هذه الجرائم وعن تقديم مرتكبيها إلى العدالة.

ويساور منظمة العفو الدولية القلق من أن التدابير المقترحة بموجب مشروع الميثاق قد تحول أكثر فأكثر دون ظهور الحقيقة بشأن الجرائم التي ارتكبتها الجماعات المسلحة، ودون التوصل إلى حكم قضائي قطعي بالذنب أو البراءة، وتقديم التعويض الكامل للضحايا وعائلاتهم.

فالتدابير المقترحة في الميثاق شبيهة بتلك الأحكام التي تضمنها "قانون الوفاق المدني" للعام 1999، الذي منح أعضاء الجماعات المسلحة الذين يسلمون أنفسهم إعفاءاً من المقاضاة، شريطة أن يكونوا ممن لم يقتلوا أو يغتصبوا أو يتسببوا بعاهات دائمة أو يضعوا متفجرات في أماكن عامة. بيد أنه

ومن الناحية العملية، لم تجر أي تحقيقات جدية، بحسب ما هو معروف، لتحديد ما إذا كان أعضاء الجماعات المسلحة مؤهلين للأعفاء من المقاضاة أم لا بمقتضى أحكام القانون.

إن من المعتقد أن نحو 4,500 من أعضاء الجماعات المسلحة قد استسلموا على أساس "قانون الوفاق المدني"، ولكن من غير المعروف عدد من قُدم إلى المحاكمة من هؤلاء بتهم تتصل بجرائم خطيرة لا يغطيها "قانون الوفاق المدني".

ويعتقد أن مزيداً من أعضاء الجماعات المسلحة، ممن استسلموا بعد انقضاء مدة نفاذ القانون، قد استفادوا من التدابير الفضفاضة للعفو أو الإعفاء من المقاضاة المعتمدة خارج نطاق أي إطار قانوني.

إن منظمة العفو الدولية تعتقد أنه ينبغي تقديم الأشخاص الذين ارتكبوا جرائم خطيرة من تلك التي تشكل انتهاكاً للقانون الدولي إلى العدالة، بغض النظر عما إذا كانوا مدنيين أم عسكريين، وسواء أكانوا من المنتمين إلى جماعة مسلحة أم لا، ودونما اعتبار لزمان أو مكان ارتكاب هذه الجرائم.

فجرائم بفظاعة واتساع تلك التي ارتكبت في الجزائر على أيدي قوات الأمن والجماعات المسلحة لا يجوز أن تكون موضوعاً لقرارات بالعفو، أو بالصفح، أو لقوانين أساسية تقيد نفاذ القانون.

ومن غير الجائز للحكومة الجزائرية أن تتنصل من واجباتها بمقتضى القانون الدولي عن طريق تبني ميثاق يتناقض مع هذه الالتزامات، بغض النظر عما إذا كان سيقر في استفتاء عام أم لا.

إن تصويتاً بالأغلبية ينبغي أن لا يحرم ضحايا الانتهاكات الجسيمة من حقوقهم الأساسية في كشف الحقيقة والعدالة والإنصاف، كما لا ينبغي أن يشطب بجرة قلم واجب الدولة في ضمان تقديم مرتكبي الجرائم الخطيرة إلى العدالة.

ومنظمة العفو الدولية تحث الحكومة الجزائرية على عدم تنفيذ أي تشريع يحول دون ظهور الحقيقة بشأن الجرائم الخطيرة التي اقترفت إبان النـزاع الداخلي، ودون صدور أحكام قضائية قطعية بالذنب أو البراءة، والتعويض الكامل للضحايا وعائلاتهم.

ويساور منظمة العفو الدولية القلق كذلك بشأن الإشارات العديدة في الميثاق إلى الآثار السلبية لما وصفه بـ "التدخل الأجنبي"، الأمر الذي يشير إلى أن السلطات الجزائرية تعتزم مواصلة تقييد دخول المراقبين الدوليين ومنظمات حقوق الإنسان إلى الجزائر. فمثل هذا التقييد هو الذي جعل من الصعوبة بمكان توثيق انتهاكات حقوق الإنسان.

وعلى نحو خاص، فقد امتنعت السلطات عن إصدار الدعوات إلى الخبراء المهمين للأمم المتحدة الذين طلبوا السماح لهم بدخول البلاد بغرض التقصي.

ومنظمة العفو الدولية تكرر دعوتها إلى السلطات الجزائرية كيما تيسر بلا مزيد من الإبطاء الزيارات التي طال على طلبها الزمن من قبل المجموعة العاملة للأمم المتحدة المعنية بالاختفاء القسري وغير الطوعي، والمقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بالإعدام خارج نطاق القانون، والمقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بالتعذيب.

موضوع صادر عن :

منظمة العفو الدولية
منظمة العفو الدولية