ifex English:: إيران ..... عن الشبكة |الإمارات |الأردن | البحرين | تونس |الجزائر | السعودية | السودان | سوريا | الصومال |العراق |عُمان | فلسطين | قطر | الكويت | لبنان | ليبيا | مصر | المغرب | اليمن | دولية و اقليمية
الرئيسية
ANHRI.NET.English Share
الحصول على مدونة
الرئيسية راسلنا جوائز أسئلة وأجوبة عن الشبكة الأجندة خدمات حملات خطوة للأمام مواثيق وإتفاقيات
انضم لقائمة افيكس
انضم لقائمة  الشبكة
¤ بيانات صحفية
¤ تقارير
¤ موضوع للمناقشة
¤ مواثيق دولية
افيكس
¤ أرشيف الشبكة

¤ قائمة الحقوق

¤ النشرة الاسبوعية

¤ اصدارات حقوقية
ضع وصلتنا بموقعك
ضع وصلتنا بموقعك
مبادرات الشبكة العربية

كاتب
المبادرة العربية لإنترنت حر
جهود
إفهم دارفور
مبادرة هموم
موقع قضايا



الشبكة العربية على facebook

  
فهرس
عقوبة الإعدام
(إعدام الأطفال)


عقوبة الاعدام (اعدام الاطفال)
  1. تقديم
  2. الادلة العامة حول امكانية الغاء الاعدام
  3. سن البلوغ
  4. قاعدة اليسر في الاسلام
  5. اراء علماء المسلمين المعاصرين في الفطرة



الرئيسية »» تقارير ودراسات»»عقوبة الاعدام (اعدام الاطفال)


سِنّ البلوغ




أين المشکلة في سن البلوغ

حسب آراء الفقهاء من السلف والخلف، وما ورد في تراث الفقه الإسلامي خلال اكثر من الف عام، هو عدم شمول القصاص للطفل القاتل سواء قتل طفلا أو بالغا. وحسب المادة 49 من قانون العقوبات الإسلامية (الإيراني) إن الأطفال ليس لهم مسؤولية جزائية، الا في حالة تحديد القاضي بضرورة العقوبة ،وعندها تكون العقوبة في اطار احکام تربوية واصلاحية تنفذ في "مركز اصلاح وتربية الأطفال" التابع لمصلحة السجون. اذن ليس هناك خلاف حول عدم جوازالقصاص بحق الأطفال، وإنما الخلاف حول من هو مصداق " الطفل" و" الصبي" ومتى يكون الطفل مسؤولا قانونيا وجزائيا حيال تصرفاته؟ المشهور (عند الفقهاء) إن الطفل عند وصوله سِنّ البلوغ يكون مشمولا بالعقوبة والمسؤولية الجزائية. لكن المشكلة تنبع من عدم وحدة مفهوم البلوغ في العبادات "كالصلاة والصوم" وغير العبادات كالمسؤولية الجزائية، وهذا الموضوع نابع من روايات دينية لا يمكن تجاوزها بسرعة، و إنما تحتاج الى دراسة منفصلة ليس هنا مجال التطرق اليها، ولكن ما اريد طرحه هنا هو[ هل يمکن الأخذبالسن القانونية المتبع عالميا] کمعيار في مسالة البلوغ وهو من المعايير الدولية في مجال حقوق الإنسان ،لذلک سأقوم بتحليل الموضوع نظريا :
1. البلوغ في القرآن
إن دراسة وتحليل الأدلة الفقهية والرؤية الدقيقة لآيات القرآن سوف توصلنا الى نتائج قيمة واكثر ايجابية حول امكانية ايقاف تنفيذ حكم القصاص بحق الأطفال دون 18 عاما، وإن هذه النتائج يمكن أن تساعد " فقهاء مجلس صيانة الدستور الإيراني" الذين طالما امتنعوا عن التصويت على لائحة " محكمة الأطفال" المقدمة من السلطة القضائية (والتي تقترح فيه ايقاف مثل هذه الأحكام)، بحجة مخالفتها للشرعالإسلامي .

إن الرؤية الحاكمة على الفقهاء والتي تطبق فعليا هو إن"السِنّ الشرعية" للتكليف والمسؤولية هو " البلوغ" والمقصود هنا هو " البلوغ الجنسي" . السؤال الذي يطرح نفسه هو: ما هو الدليل على إن سِنّ التاسعة للبنات وسِنّ الخامسة عشر للأولاد هو سِنّ البلوغ؟ المؤكد إن القرآن، الذي يعتبر مصدرا اساسيا لأحكام الشريعة والنظام الحقوقي الإسلامي لم يتطرق الى سِنّ البلوغ بشکل صريح ومحدد ، وقد جاء في سورة النور: (ياايها الذين آمنوا ليستئذنكم الذين ملكت ايمانكم، والذين لم يبلغوا الحلم منكم ثلاث مرات، من قبل صلاة الفجر وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة ومن بعد صلوة العشاء ثلاث عورات لكم. واذا بلغ الأطفال منكم الحُلم فليستأذنوا كما إستأذن الذين من قبلهم (النور 58-59). اذن فالقرآن لم يحدد " العمر" بالنسبة الى " سِنّ البلوغ" وإنما اكد على أن البلوغ من شروط المسؤولية والتكليف.

2 . البلوغ في السُنّة
اعتمد الفقهاء في تعيين سِنّ البلوغ على ما ورد من احاديث في السُنّة، وقد ورد ما يربو على مائتي رواية في ابواب مختلفة في موضوع البلوغ (مهريزي ص 408) بعض الروايات حددت 9 سنوات واخرى 10 سنوات وقسم آخر 13 سنة لبلوغ البنات، اما الذكور فقد حددت 8، 10، 13، 14، 15 سنة .

3 – البلوغ عند الفقهاء المعاصرين
إن اكثر الروايات والأحاديث عن البلوغ لم تؤكد على تحديد السِنّ والعمر وإنما تؤكد على أن في هذا العمر يصل الطفل الى البلوغ الجسمي والجنسي. حتى إن بعض الأحاديث التي حددت العمر 9 أو 10 للواجبات الشرعية خصصت ذلك بإستعداد البنت للزواج وظهور الطمث عندها، لذلك فإن اية الله يوسف الصانعي [ فقيه معاصر في قم] يقول بأن العمر 9 سنوات ليس معيارا لجواز الزواج والعلاقات الجنسية للبنت وإنما هناك شروط ومعايير اخرى وليس العمر هو المعيار الوحيد للبلوغ (صانعي، 1385هـ). اما آية الله جواد الموسوي الغروي بعد أن يذكر اقوال الفقهاء وبعض الأحاديث والإستدلالات الفقهية والقرآنية في ذلك يستنتج بأن معيار "البلوغ الشرعي" هو الإحتلام [وخروج المني والإستعداد الجنسي] عند الأولاد الذكور، وظهور الحيض [والإستعداد الجنسي] عند البنات، ويرفض أن يكون تحديد العمر هو المعيار في البلوغ (موسوي غروي، ص 567-608).بعض فقهاء الإمامية مثل الشيخ الطوسي (القرن 5 هـ) طرح عدة معايير للبلوغ، وإستنادا الى الأحاديث المتعددة، طرح سنوات متعددة في مسؤوليات الصلاة والصوم والجهاد.

4 . البلوغ وفقا للمعايير العلمية
الواقع أن البلوغ يختلف حسب الواقع الجغرافي للافراد، فالأفراد الذين يعيشون في المناطق الحارة [كالجزيرة العربية] يصلون الى سِنّ البلوغ [الجنسي] قبل الأفراد الذين يعيشون في المناطق الباردة [كالدول الأوروبية] ففي المناطق الحارة اغلب البنات يصلن الى البلوغ [الجنسي] منذ سِنّ التاسعة والأولاد منذ سِنّ الحادية عشرة، اما في المناطق الباردة فالبلوغ يظهر عندهم في سنين متاخرة. ذكرت موسوعة بريتانيكا إن حوالى 97% من البنات يصلن الى مرحلة الحُلم الجنسي في الأعمار بين 11-15 سنة، وإن الإحتلام يظهر في المناطق الحارة اسرع من المناطق الباردة (Britannica Vo l8, p ll45).

من هنا نستتنج بأنه لا يمكن تحديد عمر معين للبلوغ، فالبلوغ تابع للظروف الجغرافية والطبيعية وعوامل الصحة والغذاء للافراد. إن سِنّ البلوغ قضية تابعة للعلوم الحيوية والطبيعية، ولا يمكن تحديد سِنّ معينة له حتى يتحول الى قانون عام يطبق على الجميع ، وقد يكون هذا هو السبب الذي جعل القرآن الكريم الذي تطرق الى موضوع البلوغ، ولكنه لم يحدد لذلك عمرا محددا، وإنما أوکل أمر تحديد رشد وبلوغ الأطفال الى الآباء عبر التجربة والإبتلاء [كما في الآية 6 من سورة النور] .

الفرق بين الحکم و الموضوع

في الفقه الإسلامي هناك فرق بين " الحكم" و" الموضوع" اي المصداق، وفي هذا المجال يمكن القول بأن سِنّ البلوغ هو شأن موضوعي وعرفي [وهو شأن الإخصائيين] اما مسؤولية الفقه والشرع والفقهاء فهو بيان الحكم وليس بيان الموضوع أو المصداق ، فالشارع والمقنن يعطي حكم حرمة الخمر، وليس من وظيفته تحديد مصداق الماء أو الخمر في عالم الواقع، فالحكم بالحلال والحرام هو على الشارع بينما تعيين المصداق على العرف. ولذلك فإن الشارع يحدد لنا مسؤولية البالغ وتكاليفه، ولكنه لا يحدد من هو البالغ. واجبنا اتباع حكم القرآن بالنسبة الى الفرد البالغ، وعلينا تحديد من هو البالغ ومتى يصل الطفل الى البلوغ، لأنه أمر موضوعي ومصداق خارجي تابع للظروف الجغرافية والعرف.

إن وجود بعض الروايات [عن أئمة اهل البيت والتي اعتمد عليها فقاء الإمامية] والتي تطرقت الى تحديد سِنّ البلوغ لم يكن من باب الحكم والأمر وإنما من باب الإرشاد في الموضوع والمصداق بناءً على العرف السائد في مجتمعاتهم ، ومن هنا يمكن معرفة سبب اختلاف الروايات في تحديد سِنّ البلوغ وذلک بسبب اختلاف الفترات الزمنية والمناطق الجغرافية للأئمة، واكثرها تعكس واقع المناطق الحارة كالعراق [والجزيرة العربية].

ويمكن تحليل القضية من وجهة نظر اخرى، اي من زاوية "السببية" والعلة أو من زاوية "الطريق" والدليل .

وبعبارة اخرى هل إن تعيين سِنّ البلوغ في الروايات الواردة هي "سبب" وعلة الحكم ام إنها "طريق" للوصول اليه، وإن سِنّ البلوغ طريق من طرق كشف البلوغ الحقيقي. وهذا يعني أن احد طرق كشف البلوغ الحقيقي عند البنات في الجزيرة العربية واطرافها، في الفترة التي صدرت فيها تلك الأحاديث كان العمر 9 للبنات الإناث و15 للذكور. والدليل على ذلك ما جاء صراحة في صحيحة عبدالله بن سنان عن الإمام جعفر بن محمد الصادق الذي يقول: وذلك لأنها تحيض لتسع سنين (الكليني، ج7، ص69). اذن، نستنتج بأن المعيار الحقيقي في الحكم هو البلوغ الحقيقي والطبيعي للافراد وإن تحديد العمر المعين للبلوغ ليس له تأثير في الحكم.

الفرق بين البلوغ والرشد العقلي

هل هناك ملازمة بين البلوغ الغريزي والجنسي والطبيعي للافراد والمسئولية الجزائية والقانونية. الجواب ليس هناك ملازمة بالضرورة بينهما، لأنه ليس كل من وصل الى سِنّ البلوغ الجسمي [اي البلوغ والنضج الجنسي: كالإحتلام والحيض] اصبح رشيداً وناضجا عقليا.

هنا تطرح عدة اسئلة: ما هو تعريف مدى سنين مرحلة الطفولة؟ وهل البلوغ الجسمي والجنسي هو المعيار للمسئولية ام البلوغ العقلي؟ الجواب إن سِنّ التكليف والمسئولية لا يمكن أن يكون تابعاً للبلوغ الجسمي فقط، والدليل إننا نرى إن ما جاء في الروايات والأحكام الفقهية هو تلازم " البلوغ "مع" العقل". ولذلك أستثني " المجنون" الفاقد للعقل من المسئوليات والتكليف الشرعي حتى ولو كان "بالغا جسمياً"، لأنه فقد العقل والرشد وتمييز الأمور.

هناك امر آخر هو إن البلوغ في الأمور العبادية كالصلاة "شرط كاف"، اما في الأمور المدنية كالتصرف المالي والزواج فالبلوغ " شرط لازم" ولكنه ليس " شرطا كافيا" ،لأن الأمور المدنية تتطلب توافر الرشد العقلي. مثلاً في التصرفات المالية والزواج للافراد لا يعتبر "البلوغ" و"العقل" حسب الفقه مجزيا لصحة المعاملات وإنما يضاف اليهما شرط آخر هو "الرشد" .

فالفرد اما عاقل أو مجنون والعقلاء على نوعين: رشيد وغير رشيد[ سفيه] ، فالرشد في المصطلح الفقهي لا يرتبط بالجسم فقط وإنما هو نوع من الكمال الروحي والفكري. مثلاً من شروط سلامة عقد الزواج أنه لابد للفرد أن يفهم ويدرك هدف الزواج وقيمته ونتائجه وأن تكون عنده المقدرة علي التمييز والإنتخاب والإرادة، وأن تكون عنده المقدرة الإدارية، وعندها يكون الفرد رشيداً (مطهري، 1375 ش، ج3، ص313).

الفرق بين التكليف الشرعي و المسؤولية الجزائية

بنظري إن المشكلة ناشئة من الجمع بين سِنّ " التكليف الشرعي" وسِنّ " المسئولية الجزائية" واعتبارهما واحداً، في حين إن ما يستفاد من الشرع الإسلامي هو إن سِنّ البلوغ هو سِنّ التكليف الشرعي في أحكام العبادات، اي تحديد الزمن المناسب لتکليف الفرد باداء الصلاة والصوم، والمفروض عدم تعميم ذلك المعيار في الأحكام الجزائية والعقوبات.

إن المعيار الأصلي في الأحكام الجزائية هو "البلوغ الطبيعي" وليس تحديد سِنّ" البلوغ الشرعي"، وإن تحديد سِنّ البلوغ إنما جاء لكي يعرف الفرد متى تجب عليه الصلاة والصوم والفرائض الدينية حتى لا يحرم من فضيلتها. لكن معيار العقوبة والجزاء هو "الرشد العقلي" وليس "البلوغ الجسمي"، إن ذنوب الأفراد تسجل منذ إنتهاء مرحلة الطفولة. فقد روى عن الإمام علي بن موسى الرضا (ع): وإن الصبي لا يجري عليه القلم حتى يبلغ" ( مستدرک وسائل الشيعة ج1/87 ) . إن احصاء ذنوب الأولاد بعد بلوغهم، ليس للعقاب الدنيوي كإجراء الحدود والقصاص وإنما للعقاب الأخروي، وهناك فرق بين "الذنب" [المعاقب عليه في الأخرة] و"الجريمة" [المعاقب عليها في الدنيا].

اضف الى ذلك اننا نلاحظ بأن هناك فرقاً بين " سِنّ البلوغ الشرعي" و" سِنّ البلوغ الجسمي" و" السِنّ القانونية والجزائية" في الروايات الواردة في السُنّة، فقد ورد عن الإمام علي ابن ابي طالب (ع):( يجب الصلاة على الصبي اذا عقل، والصوم اذا اطاق، والشهادة والحدود اذا احتلم" (مستدرک وسائل الشيعة ج1/ 85 ). إننا نعتمد في استدلالنا بالأساس على القرآن، ولكن فيما يخص الاحاديث الوارد في السُنّة، وبدون النظر الى صحتها أو عدم صحتها أو تعارضها، اردنا التأكيد على أن الروايات والفقه الإسلامي تفرق في هذه الأمور. فقدورد عن الإمام جعفر بن محمد الصادق: انقطاع يتم اليتيم الإحتلام وهو أشده،وان احتلم ولم يؤنس منه رشده وکان سفيها او ضعيفا فليمسک عنه وليه ماله ( وسائل الشيعة ج17/ 360).

الفرق بين الرُشد والبلوغ في القران

اذن علميا هناك فرق بين "البلوغ" و"الرشد" ،والقرآن يشير الى هذا الفرق ايضا، حيث يضع الرشد شرطاً لصحة المعاملات المالية اضافة الى شرط البلوغ ،حيث تقول الآية: وابتلوا اليتامي حتى اذا بلغوا النكاح فاِن آنستم منهم رشدا فادفعوا اليهم اموالهم (النساء:6). فالآية تصرح بأن الأطفال بعد أن يصلوا الى سِنّ الحلُم والزواج وقبل أن يعطى لهم الأموال يحب اخضاعهم للامتحان والتجربة لاكتشاف الرشد العقلي عندهم.

ولكن كما لاحظنا في الأراء الفقهية السابقة فإن أحكام الفقهالإسلامي الخاصة بالأطفال لا تراعي هذا التفاوت، وإن فقيها مثل اية الله فاضل اللنكراني يقول: إن شرط الرشد خاص بالمسائل المالية، ولا يرتبط بالقضايا الجزائية" .

ولكننا نعتقد أن حصر شرط رشد الأطفال بالمسائل المالية، قضية قابلة للمناقشة، فآية الله مرتضى المطهري يقول: الرشد يعني الكفائة والأهلية لحفظ وإستثمار الإمكانات والرأسمال المودع عند الإنسان (مطهري، 1377 ش، ص133) من هنا فإن حصول الرشد بعد البلوغ شرط لكي يحصل الأفراد على" الأهلية" في المعاملات المالية. اما الآيات الأخرى التي تشير الى صفة الرشد فهي:
  • ولا تقربوا مال اليتيم إلا باللتي هي أحسن حتى يبلغ أشده (الأنعام: 53).
  • ولما بلغ اشدّه آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزى المحسنين (يوسف: 22). ونفس الآية وردت بحق النبي موسى:
  • ولما بلغ اشدّه وإستوى آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزى المحسنين (القصص: 14).
إن هذه الأيات تؤكد على ضرورة بلوغ الرشد والكمال اي کما ورد في القران " بلغ اشدّه" للصبي والطفل حتى يتم له الحكم والعلم.

ويضيف القرآن في الآية مسألة اخرى وهي "جزاء المحسنين" .إن كلمة "الجزاء" في القرآن وردت في معنيين : الأول بمعنى العقاب [كما في ايات: البقرة: 85، 191، المائدة: 29، 33]. ولكن هنا في الآيات المذكورة جائت بالمعنى الثاني، اي معنى المكافأة على الخير والإحسان بقرينة كلمة المحسنين. وهذه نقطة قابلة للدقة في القرآن الكريم خصوصاً في مجال حقوق الأطفال من وجهة نظر القرآن، حيث يؤكد القرآن على قضية "الرشد" وليس "البلوغ" في مسألة الجزاء والعقوبة ضد الأطفال، وهي مسألة مسكوت عنها عند الفقهاء مع الأسف الشديد.ذلك فإذا کان القرآن يؤکد على ضرورة الرشد عند الأطفال كشرط قبل تسليمهم الحكم والعلم والقوة والمال وحتى جزاء المحسنين، فمن الأولى أن يكون الرشد معياراً للعقوبة ايضاً.

إن قاعدة "الشريعة السمحة" و"الشريعة السهلة" والتي جائت في الحديث المروي عن الرسول الاكرم (الحر العاملي، ج8، ص116، الرواية رقم 10209) تدعونا الى اعتبار "سِنّ الرشد" معيارا للمسئولية الجزائية وليس البلوغ فقط. حتى إن الأيات (البقرة: 185، الحج: 78، الأعراف: 157) تدل على سماحة الشريعة الإسلامية.اذن على الفقهاء والمشرعين أن يضعوا القوانين الإسلامية وأحكام الشريعة في اطارها الموسع لصالح المتهمين. وأن يكون معيار "18 عاماً" معياراً لسِنّ الرشد لتخليص الأطفال من العقوبات المشددة أو التي تؤدي الى الموت لأنها اقرب الى منطق الشريعة السمحاء. حتى إن هناك آية في القرآن تعتبر سِنّ الأربعين معياراً لسِنّ الرشد:
(ووصينا الإنسان بوالديه إحسانا، حملته امّه كرها ووضعته كرها، وحمله وفصالة ثلاثون شهرا، حتى اذا بلغ اشده، وبلغ اربعين سنة قال ربي أوزعني أن اشكر نعمتك التي انعمت عليّ وعلى والدي، وأن اعمل صالحا ترضاه واصلح لي في ذريتي، إني تبت اليك وإنّي من المسلمين (الأحقاف: 15).

يقول اية الله المرعشي: ذكر الفقهاءُ الرشدَ كشرط في القضايا المالية، ولم يعتبروا البلوغ ملازماً للرشد، ولكنهم لم يذكروا الرشد في قضايا العقوبات. اما من فقهائنا السلف فالذي ذكر الرشد في العقوبات هو العلامة الحلي (قرن 7 هـ) في كتابه تحرير الأحكام في مبحث قتل العمد حيث يري في قتل العمد ان العاقلة مسؤلون عن دفع الدية عن الطفل الذي لم يصل سن البلوغ و الرشد ، وبعد بلوغه سن البلوغ والرشد تسقط عنهم.(مرعشي، 1382 ش).

إن تحديد سِنّ الرشد أمر خاضع للعرف الإجتماعي [و تجارب العلم] وقد حدّد علماء النفس والأحياء [البيولوجيا] وأقرت اكثر النظم القانونية لدول العالم سِنّ 18 عاماً كمعيار وامارة لسِنّ الرشد وبالنتيجة معياراً للمسئولية الجزائية والعقوبة، حتى إن بعض الدول رفعت ذلك الى السِنّ 20 أو 22 سنة.

وبالرغم من أن الدراسات والحقائق تشير الى تحديد سِنّ الزواج، ولكن اكثر من 50 % من الأولاد والبنات يقيمون علاقات جنسية غير مشروعة قبل سِنّ الزواج، وبالنتيجة يؤدي الى ارتفاع احصائيات سقط الجنين عند البنات ذوات الأعمار القليلة، لذلك فإن القوانين في تحديد سِنّ العلاقة الزوجية لم تستطع منع العلاقات الجنسية للافراد دون 18 عاماً مما جعل تلك العلاقات علاقات غير مشروعة وشاذة وبالنتيجة داعية للمشاكل.

هناك حالات يصل الاطفال فيها الى الرشد في سنين مبكرة،بالنسبة للأمور العبادية كالصلاة والصوم حيث البلوغ الجسمي هو المعيار للتكاليف الشرعية، ولكن في القوانين العامة والإجتماعية لا يمكن وضع معايير وأعمار مختلفة للافراد ولابد من وضع قانون وعمر واحد يشمل الجميع، فالقانون يوضع بناءً على العرف العام والأغلبية وليس على الإستثناءات.لذلك فإن الروايات التي سمحت للبنت عند بلوغها التاسعة من العمر أن تقوم بما يجب على البالغ القيام به، إنما سمحت لافتراضها أن تكون البنت "رشيدة" الى جانب بلوغها.

وما يؤسف له، أن القوانين الجزائية في إيران [بما فيها عقوبة الموت] تشمل ذوى الأعمار دون 18 سنة، لأنها إستندت على "سِنّ البلوغ" بدلاً من "سِنّ الرشد". وما يؤخذ على هذه القوانين أولاً إن العمر 9 سنوات للإناث و15 سنة للذكور لا يمكن أن يكون معياراً عاماً وثابتاً وقطعيا لکل الأفرادً، وثانيا إن سِنّ المسؤولية الجزائية والعقوبة يجب أن يستند الى سِنّ الرشد [العقلي] وليس الى سِنّ البلوغ [الجسمي].

البلوغ والرشد في القانون المدني الإيراني

القانون المدني الإيراني المصادق من قبل مجلس البرلمان ، والذي تمت المصادقة عليه من قبل الفقهاء المسلمين، اعترف بالفرق بين الرشد والبلوغ، ولكن المشرّع الإيراني لم يراع هذا الفرق في قانون العقوبات الجزائية. ورد في المادة 1210 من القانون المدني (المادة المعدلة عام 1992م): لا يسمح بحجر اي فرد بعد سِنّ البلوغ باسم الجنون أو عدم الرشد الا بعد أن يثبت جنونه او عدم رشده .

التوضيح 1: سِنّ البلوغ في الولد الذكر اكمال 15 عاما قمريا، وفي البنت 9 سنوات قمرية.

التوضيح 2: يجوز اعطاء الأموال الى الصغير بعد ان يبلغ في حالة ثبوت رشده )

كما نلاحظ في هذه المادة إن الرشد شرط اضافي غير البلوغ في الحقوق المالية . أما في القوانين المدنية لكثير من الدول فقد اعتبر سِنّ الرشد هو سِنّ الزواج القانوني وليس سِنّ البلوغ.

اما أحكام الزواج في الإسلام، فالشريعة تجيز الزواج في السنين مافوق البلوغ وتعتبره نكاحاً صحيحاً، حتى إن الإسلام يسمح للافراد بالزواج في سن متقدمة، فالرسول الأكرم محمد (ص) تزوج وهو في سِنّ 25 سنة. إن الزواج في سِنّ البلوغ ليس امراً واجبا بل مندوب ،وإن الزواج بالإكراه، حتى بعد سِنّ البلوغ، حرام وممنوع بل هو زواج باطل، لأن القصد والإختيار شرطان أساسيان من شروط صحة عقد الزواج.

الملاحظة الهامة الأخرى هي إن القانون المدني الإيراني اعترف بأن السِنّ 18 عاماً هو معيار المسؤولية المدنية والإجتماعية بشكل قانوني. مثلاً إن سِنّ الخدمة العسكرية الإجباري في قانون الخدمة العسكرية هو اكمال الأفراد 18 عاما، وكذلك فإن اكمال 18 عاماً شرط من شروط الحصول على رخصة قيادة السيارة، وتعتبر قبل هذا العمر عملاً مخالفاً للقانون، وفي حالة وقوع حوادث مرورية بواسطة المركبات للأطفال دون 18 عاماً، فإن القانون يعتبر ذلك الحادث "جرما عمديا" يعاقب عليه الفرد. لكن مع الأسف بعد إنتصار الثورة الإسلامية تم اصلاح المادة 1209 من القانون المدني الإيراني الصادر عام 1935م، حيث تم اعتماد سِنّ البلوغ [الشرعي] بدلاً من السِنّ 18 عاماً.

الفرق بين اهلية التكليف الشرعي واهلية المسئولية الجزائية

بناءً على ما تقدم من تعامل القانون الإيراني مع الأطفال دون 18 سنة يطرح السؤال التالي نفسه بقوة: كيف يمكن للفرد الذي لا يملك "الأهلية" (competence) والصلاحية للزواج وتاسيس العائلة وادارة الحياة، ولا يملك الرشد العقلي والنفسي والإجتماعي اللازم لقبول المسؤولية کيف يمکن أن نحملّه المسؤولية الجزائية للعقوبات، وأن نتعامل معه في الجريمة والعقوبات كما نتعامل مع الفرد البالغ العاقل الرشيد؟.

إن بعض المفكرين ورجال القانون الإسلامي يعتقدون بأن مجرد البلوغ الجسمي والجنسي أو حتى وصول البنت الى سِنّ 13 والولد الى سِنّ 15 لا يؤهلهم للزواج وقبول مسئولية تأسيس عائلة جديدة فکيف نحمله عقوبة الموت . يقول آية الله مرتضى المطهري: (لا اظن أن هناک قاض يدعي بأن القانون المدني لا يشترط الرشد العقلي والفكري في الزوجين، وإن بنتاً ذات ثلاثة عشر عاما والتي لا تفهم معنى الزواج واختيار الزوج هي مؤهلة للزواج. إن المادة 211 من القانون المدني تقول: "لكي يكون المتعاملان ذو أهلية للتعامل لابد أن يكون كل واحد منهم بالغا عاقلا رشيدا". بالرغم من إستعمال كلمة متعاملين تشير الى عقود غير النكاح، ولكن نظرا ً الى أن المادة جائت في سياق العقود والمعاملات وما يترتب عليها من مسئوليات، (والتي تبدأ من المادة 181) فإن الأخصائيين في القانون المدني يعتبرون المادة 211 کافية لتحديد "الأهلية العامة" للافراد في جميع العقود [وليس الأمور المالية فقط]. لذلك نلاحظ أنه في جميع عقود الزواج القديمة كانوا يكتبون أمام إسم الرجل "البالغ، العاقل والرشيد" وامام اسم الزوجة"البالغة، العاقلة الرشيدة"، من هنا لا نعتقد بأن المشرع الإيراني قد غفل عن هذه النقطة (مطهري، 1376 ش، ص97).

وفي كتاب آخر يطرح مرتضى المطهري آرائه حول البلوغ وشروط التكليف الشرعي والمسئولية المدنية وهو مكمل لما ذكرناه، حيث يؤكد على وجود فرق بين "البلوغ الجسمي" والشرعي وبين البلوغ القانوني أو"السِنّ القانونية" ويقول: لكل إنسان مرحلة خاصة هي مرحلة البلوغ الطبيعي [الجنسي] ولا نستطيع تحديد سِنّ معينة لمرحلة البلوغ الطبيعي لجميع الأفراد. فهناك افراد يصلون للبلوغ قبل غيرهم، فالخصائص الفردية للاشخاص وكذلك الظروف الجغرافية وعوامل البيئة لها تاثير على سرعة البلوغ الطبيعي أو تأخيره. اما القانون فلابد أن يضع سِنّاً قانونية محددة للجميع كقانون عام قائم على المعدل المتوسط للجميع، والذي يشمل سِنّ البلوغ اضافة الى الرشد العقلي المذكور في الفقه الإسلامي، ويكون معيارا ً قانونيا ًللبلوغ القانوني في المجتمع. من هنا يمكن أن نفترض اشخاصا وصلوا الى "البلوغ الطبيعي [الجنسي]" ولكنهم لم يصلوا الى "سِنّ البلوغ القانوني" (مطهري، 1375 ش، ص293).

ومع أن مرتضى المطهري لا يرى وحدة وعمومية سِنّ البلوغ الجنسي والشرعي لکل الأفراد بل يعتقد باختلافها حسب العوامل الجغرافية، ولكن نظراً الى أن رأي اكثر فقهاء الإمامية هو : إن البلوغ الشرعي للرجل اتمام الخامسة عشر عاما قمريا والدخول في السادسة عشر، وللمرأة اتمام السنة التاسعة قمريا والدخول في العاشرة، وإن سِنّ البلوغ احد شروط التكليف [الشرعي]، والفرد الذي لم يصل الى مرحلة البلوغ الشرعي غير مكلف إلا بدليل يثبت دخوله مرحلة البلوغ الطبيعي [الجنسي] (المطهري، نفس المصدر)، نظرا لذلك فإن المطهري يرى: إن من شروط التكليف الشرعي هو احراز "العقل" و"معرفة الحكم" و"القدرة على العمل بالتكاليف" و"الحرية و الإختيار" اضافة الى "البلوغ".

إن البلوغ شرط للتكليف وشرط لصحة العمل ايضا، ولکن الرشد بالرغم من انه شرط لصحةالعمل ولكنه ليس شرطاً للتكليف، [فالرشد قبل البلوغ لا يوجب تكليفا].يقول المطهري: نلاحظ في التشريع الإسلامي إن من يريد القيام بعمل مدني أو اجتماعي كالزواج أو معاملة مالية مستقلة كالتصرف في الأموال الخاصة لابد أن يحرز الشروط العامة كالبلوغ والعقل والقدرة والإختيار اضافة الى "الرشد" ، والرشد هنا يعني الأهلية والكفائة واللياقة لإدارة العمل الذي يقصد تنفيذه (مطهري، 1375 ش، ص 301).

وبعبارة اخرى فإن اية الله المطهري يرى ضرورة احراز كل الشروط العامة للمكلف في مجال العبادات،ولكنه يضيف شرط الرشد في مجال المسئوليات المدنية والإجتماعية. ولذلك نتسائل: هل يمكن اعتبار البلوغ الجنسي والطبيعي فقط كافياً للفرد لكي يتحمل المسؤولية الجزائية کعقوبة الموت واعتباره مثل الفرد البالغ العاقل الرشيد، في حين أن البلوغ الجنسي [حسب الفقه الإسلامي] لا يعطي للفرد اهلية المعاملات المالية والزواج والمسئوليات المدنية والإجتماعية؟

تحليل القران حول سِنّ البلوغ والرشد ومعدل السِنّ القانونية

في الفقرة الماضية ناقشتُ الفرق بين البلوغ والرشد بناءً على المفاهيم القرآنية [وكذلك الفقه الإسلامي]. وهنا يمكن طرح مفهوم آخر يمكن إستنباطه من القرآن وهو مفهوم "بلغ اشدّه" ] الذي ورد في اكثر من آية في القرآن الكريم في معرض شروط تكامل الفرد لتحمل المسئولية]، وهي نقطة قابلة للتأمل والإجتهاد، و طريق لحل مشكلة مفهوم البلوغ، فما هو معنى "بلغ اشدّه"؟.

يقول اية الله مكارم الشيرازي: الأشدّ بمعنى الإستحكام والقوة الجسمية والنفسية، و"بلغ اشدّه" بمعنى الوصول الى تلك المرحلة (مكارم، ص363).وقد وردت هذه الكلمة في القرآن مرة بمعنى سِنّ البلوغ كما في الآية (ولا تقربوا مال اليتيم إلا باللتي هي احسن حتى يبلغ اشده (الأنعام: 53، الإسراء: 34). وجائت مرة اخرى بمعنى بلوغ اربعين عاما كما في الآية (حتى اذا بلغ اشده وبلغ اربعين سنة (الأحقاف: 15). ووردت ايضا ً بمعنى الكهل أو متوسط العمر اي قبل الشيخوخة وهو معادل للاربعين ايضاً كما في الآية (ثم يخرجكم طفلا ثم لتبلغوا اشدكم ثم لتكونوا شيوخا (الغافر: 67). وكل هذه الحالات وردت في سياق محيط الجزيرة العربية، وهي من المناطق الحارة التي يصل الفرد فيها الى البلوغ الجنسي قبل غيره في المناطق الباردة.

اما حول شروط واهلية النبوة فقد وردت الآية بحق ابراهيم: (ولما بلغ اشده وإستوى، آتيناه حكما وعلماً (القصص:14) وحول يوسف (ولما بلغ اشده آتيناه حكما وعلما (يوسف: 22).

من هنا نستطيع القول بأنه على الرغم من أن شرط الرشد جاء الى جانب البلوغ، إلاّ أن معنى البلوغ ايضا لا يحدد بسِنّ معينة وليس له مفهوم ثابت. فالبلوغ في القرآن يحتوى على طيف واسع من المفاهيم والأعمار غير محددة بالسنين. فهناك "البلوغ الأخف" أو بداية البلوغ، والذي لم يحدد له عمر معين وإنما اشير اليه بعلامة " بلوغ الحُلم"، وهو تعبير عن بروز الغريزة الجنسية وعلاماتها في الأطفال، ثم يصل الى "بلوغ الأشد"، والذي يبدأ من حدود الثامنة عشر عاماً [حسب العرف السائد] حتى يصل الى الأربعين عاماً كما جاء في القرآن الكريم.

اذن نستنتج إننا يمكن أن نقسم البلوغ الى تقسيم آخر الأول هو "البلوغ الجنسي" و الثاني"البلوغ الجسمي والعقلي"، فالبلوغ الجنسي هو الذي يعطي الفرد القدرة على الإنجاب فقط بينما البلوغ الجسمي والعقلي هو الذي يعطي الفرد القدرة على الإنجاب ، اضافة الي القدرة علي تربية الأولاد وادارتهم. فمجرد البلوغ الجنسي لا يعطي الفرد اهلية المسؤولية الإجتماعية والمدنية وإنما هو بحاجة الى بلوغ جسمي وعقلي ايضاً وهي مرحلة متأخرة زمنيا عن الأولي.

واذا كانت نهاية مرحلة البلوغ الجسمي والعقلي هو سِنّ الأربعين [كما ورد في القرآن]، فإن بداية ذلك تابع للعرف وللعوامل الجغرافية والبيئة وحتى مستوى الرفاه الإجتماعي والسلامة والتغذيةفي المجتمع وهو يختلف بين مجتمع فقير في افريقيا مثلاً ومجتمع غني كأوربا. ولهذا السبب نرى أن المشرعين في الدول المختلفة اختلفوا في تحديد "السِنّ القانونية" أو "سِنّ المسؤولية الجزائية" .ففي مصر حدّد القانون المدني سِنّ الرشد بالعمر 21 عاما ميلادياً، وفي السويس 20 عاماً، وفي يوغسلاويا 21 عاما لأن سِنّ الرشد يرتبط بالبلوغ الجسمي والعقلي ارتباطا مباشراً.

وبناءً على ما تقدم يمكن أن نفسر ما جاء من الإختلاف في احاديث السُنّة أو التفاسير من اختلاف في تحديد سِنّ البلوغ، بأن بعض الأحاديث تشير الى البلوغ الجنسي، و اخرى تشير الى البلوغ الجسمي والعقلي. وبالرغم من عدم وجود تحديد صريح للبلوغ الأخير إلا أن بعض المفسرين [کالطباطبائي] يعتبر معدل ذلك هو العمر 18 عاما.

إن تفسير الميزان للطباطبائي فسر كلمة "بلغ اشده" في الآية 14 من سورة القصص:"بلوغ الأشد" أن يعمر الإنسان ما تشتد به قوي بدنه وتتقوي به ارکانه بذهاب آثار الصباوة ، ويأخذ ذلک من ثمانية عشر من عمره الي سن الکهولة ، التي يکمل العقل ويتم الرشد. (الطباطبائي، تفسير الميزان ،عربي ج 12/118).

وهذا يعني ان من وجهة نظر قرآنية فإن سِنّ الأهلية لإستلام الحكم والعلم والقيادة هو"بلوغ الأشد" فالآية التي جائت بحق اليتيم وضرورة امتحان وصوله الى الرشد قبل اعطائة المال، تكمّل تفسير كلمة "إستوي". ويضيف الطباطبائي ايضا في معرض تفسير الآية 22 من سورة يوسف قائلاً: قوله تعالى (ولما بلغ اشده آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزى المحسنين) ، بلوغ الأشد أن يعمر الإنسان ما تشتد به قوى بدنه وتتقوى به اركانه بذهاب آثار الصباوة، وياخذ ذلك من ثمانية عشر من عمره الى سِنّ الكهولة التي عندها يكمل العقل ويتم الرشد. والظاهر أن المراد به الإنتهاء الى أول سِنّ الشباب دون التوسط فيه أو الإنتهاء الى آخره كالأربعين، والدليل عليه قوله تعالى في موسى (ولما بلغ اشده وإستوى آتيناه حكما وعلما (القصص: 14) حيث دل على التوسط فيه بقوله "إستوى"، وقوله (حتى اذا بلغ اشده وبلغ اربعين سنة قال رب أوزعني أن اشكر نعمتك (الأحقاف: 15) فلو كان بلوغ الأشد هو الأربعين لم تكن حاجة الى تكرار قوله بلغ اشده(الطباطبائي، الميزان ،عربي ج 12/118). (طباطبائي، الميزان فارسي ج 11، ص 118).

مما ذكره الطباطبائي يمكن أن نفهم عدة امور : الأول، إن البلوغ يشكل مدى ممتدا من العمر له مستوى ادنى ومستوى أعلى [من دون تحديد]. الثاني، هناك فرق بين البلوغ الجنسي والبلوغ الجسمي [والعقلي]. الثالث، إن البلوغ الجنسي لا يعطي اهلية للمسئولية وإنما هناك حاجة الى بلوغ جسمي وعقلي ايضاً. الرابع ، إن العمر 18 سنة هو معدل سِنّ البلوغ[ القانوني] عند الطباطبائي.

وينقل مكارم الشيرازي في تفسير الأمثل: ذكر بعض المفسرين إن "بلوغ الأشد" هو الوصول الى مرحلة القدرة والأهلية وهو متزامن مع العمر 40 عاما، ولكن الظاهر هو إن بلوغ الأشد اشارة الى البلوغ الجسمي، وإن سِنّ الأربعين هو کمال البلوغ الفكري والعقلي، لأن المشهور هو إن الإنسان يصل الى الكمال العقلي في الأربعين من عمره، ولذلك فإن أغلب الأنبياء بُعثوا للنبوة في الأربعين. وهناك اختلاف حول سِنّ البلوغ الجسمي، فالبعض يرى إن ذلك متقارن مع سِنّ البلوغ [الشرعي] المشهور، وهو ما ورد في( الأسراء: 34 )حول الأيتام، في حين تذكر بعض الأحاديث إن العمر 18 هو سِنّ البلوغ (مكارم،فارسي، ج 21، ص 328).

إن ما صرّح به بعض الفقهاء من أن السِنّ 17 أو 18 عاما هو سِنّ البلوغ ،بدون أن يحددوا هل هو البلوغ الجنسي أو الجسمي، نعتقد إنهم يقصدون به البلوغ الجنسي، وهي مرحلة تسبق البلوغ الجسمي والعقلي، وقد قال الإمام ابو حنيفة: حدّ بلوغ المرأة سبع عشرة سنة بكل حال، وله في الذكر روايتان، احديهما سبع عشرة سنة كالأنثي واخرى ثماني عشرة سنة كاملة. اما المالكية فترى السِنّ سبع عشرة للولد وثمان عشرة سنة للبنت (موسوي غروي، ص 577). اما ابن حزم فيرى إن بلوغ الأولاد والبنات هو سِنّ التسع عشرة (مهريزي، ص 393).

الفرق بين البلوغ الشرعي والبلوغ الإجتماعي والمدني

نستنتج من آراء مفسري القرآن وآراء الفقهاء بأن هناك نوعين من البلوغ : الأول "البلوغ الجنسي" وهو معيار التكليف الشرعي واداء الفرائض الدينية، والثاني "البلوغ الجسمي والعقلي" وهو معيار المسؤولية المدنية والإجتماعية، أو ما يعبر عنه اليوم بـ "السِنّ القانونية".

وبهذا التمايز بين البلوغين سيكون العمر 15 سنة قمرية للذكور و9 سنوات للبنات هو "أمارة البلوغ" ومعيارا للتكليف الشرعي، وإن السِنّ 18 عاما هو "أمارة الرشد" الجسمي والعقلي . ولهذا اعتبر المشرع الإيراني أن الفرد دون 18 عاما فرد "غير رشيد" مع إنه بالغ شرعاً، وقد ورد في المادة 211 والمادة 1214 من القانون المدني الإيراني بأن المعاملات والتصرفات للفرد غير الرشيد في امواله غير نافذة، وإن صحة هذه المعاملات تخضع لموافقة الولي أو الممثل القانوني له. اما المادة 1209 (التي صودق عليها عام 1935م) اعتبرت من لم يكمل 18 عاما فهو غير رشيد، ولكن تم حذف هذه المادة من القانون المدني الإيراني في عصر الجمهورية الإسلامية، واعتبر البلوغ الشرعي [اي 15 عاماً] هو المعيار. اما المادة 1210 فإنها لا ترى تلازما بين البلوغ والرشد، حتى إن" الإجتهاد القضائي" وما يُعمل به في المحاكم والدوائر الرسمية هو اعتبار السِنّ 18 عاماً هو سِنّ الرشد وبالنتيجة صحة المعاملات المالية ممن بلغ هذه السن، إلا أن يثبت عدم رشده .

اذن يمكن القول بأن التمايز بين البلوغ الشرعي المؤدي الى وجوب الفرائض الدينية، والرشد المصحح للتصرفات المدنية والمسؤولية الجزائية امر لا مفر منه ، خصوصاً في عقوبات تستتبع عقوبة الموت كالقصاص، وهذا ما فهم من الروايات وآراء الفقهاء والمفسرين.

ضرورة إلغاء قصاص الموت لحالات القتل المتسرع

نشرت في الملحق الاحصائي من هذه الدراسة [ في نسختها الفارسية ] تقريراً حول صدور أحكام قصاص بالموت على 41 طفلا [دون 18 عاما في الفترات الأخيرة في إيران]، خمسة حالات من المحكومين هم من ضحايا الإدمان علي المواد المخدرة أو المتاجرة بها. خمسة حالات اخرى ترتبط بقضايا الزنا والإغتصاب ، اما 31 قضية منها فترتبط بالقتل العمد. اما العشرة الأولى [المتهمين بقضايا المخدرات والزنا] فلم يكونوا متورطين اساساً بجرائم قتل، اما القضايا الأخرى فإن كثيراً من الملفات هي قضايا قتل متسرعة أو بالصدفة [ظهرت بعد حوادث شجار عادي وليس قتلاً مخططاً] وهي جرائم يجب أن لا تصنف في مجموعة القتل العمد. وقد بحثت هذا النوع من القتل في دراستي السابقة باسم حق الحياة، واثبت بأدلة فقهية وقانونية عدم جواز القصاص في هذا النوع من جرائم القتل المتسرعة وغير المقصودة فاليراجع للتفصيل. إن رأي المختصين [بالقانون وعلوم النفس والإجتماع] هو أن هناك فرقا بين جرائم الأطفال و جرائم كبار السِنّ، لأن هذه الجرائم عادة ما تحدث بشكل متسرع، ومن قبيل الصدفة وبدون تخطيط مسبق أوتعمد القتل ، علينا أن نفسح المجال للأطفال [دون 18 عاماً] أن يشقوا طريقهم في الحياة، حتى ولو صدرت منهم جريمة غير متعمدة، وأن لا نغلق ابواب الحياة في وجوههم بمجرد تهمة أو حكم وأن لا نلقي بهم في جادة الجريمة.

دور الوراثة وعوامل البيئة على الطفل

وفقا للتجارب العلمية في علم النفس والتربية، وكذلك وفقا لما جاء في احاديث السُنّة إن العامل الوراثي في مرحلة الطفولة له تأثير اكبر على سلوك الإنسان من العوامل التربوية والإكتسابية. فمثلاً إن بعض حالات الخلل وعدم النضوج الجسمي الوراثي في مرحلة تشكل النطفة وإنعقاده في رحم الأم يؤثر على حسن الاخلاق أو ظهور الشقاوة بسبب الوراثة، وإن بعض الجينات الناشطة أو غير الناشطة ربما تؤثر على بعض الأفراد ولا تؤثر على غيرهم. وقد وردت روايات دينية تؤيد مثل هذه المعلومات وليس هنا مجال ذكرها، ويمكن مراجعة مثل هذه الروايات في مضانها (الفلسفي، 1368 ش).

حتى لو وضعنا العامل الوراثي جانباً، و اعطينا للعوامل التربوبة دورها، فإن الإنسان في مرحلة الطفولة [المراهقة] لازال يفقد الإستقلال والشخصية المتكاملة ويخضع لعوامل التلقين والإغراء. إن الطفل المجرم ليس مجرما بالفطرة، ولم يولد مجرما إنما اكتسب سلوكه من العائلة والمجتمع الذي يعيش فيه، يكفي أن تضع الطفل المجرم مكان طفلك لكي تتصور مدى المأساة التي يعيشها هذا الطفل الذي اصبح ضحية العوامل المحيطة به.

الأطفال المجرمون، ضحايا المجتمع الفاسد

يؤكد علماء الإجتماع على إن احد العوامل الرئيسية لإنحراف الأطفال وتحولهم الى مجرمين هو إنتسابهم الى مجموعات اجتماعية تحمل قيما و معايير مناقضة للمجتمع السليم. فمثلاً إن الطفل الذي يترعرع في عائلة أو محيط غير سليم، ويتعلم من اقرانه وبقية اعضاء ذلك المحيط سلوكيات غير سليمة وقيما مناقضة للمجتمع فإنه يعمد ارادياً أو لاإراديا للقيام ببعض الأعمال الإنحرافية والجنح الصغيرة من أجل أن يكون عضواً منسجما مع ذلك المجمتع الصغير.

وبعبارة اخرى إن العيش في محيط غير سليم ومليء بالجرائم الصغيرة يكون عاملا لتشبعه بالقيم والسلوك المناقضة للمجتمع. ان هذه الحقائق التي ظهرت عبر بحوث ودراسات علم الإجتماع تعطينا رؤية واضحة حول عوامل وارضية ظهور الجريمة عند الأطفال، ومدى تأثير المجتمع في مجال العقوبات (صانعي، ص 83).

إن إهمال وعدم دراسة الخلفيات وعوامل الجريمة من وجهة نظر اجتماعية في قضايا جرائم وعقوبات الأطفال هو ابتعاد عن القضاء العادل وتطبيق لعقوبات غير عادلة. لا يمكن محاكمة ومعاقبة المجرم [صغيراً كان ام كبيراً] بدون وضعه في سياقه الإجتماعي وشبكة العوامل والمحفزات المتداخلة والمترابطة لظهور الجريمة، لذلك فإن منطق العدل يقتضي ملاحظة جميع هذه العوامل، حتى نستطيع تحرير الأطفال القاصرين من "قصاص الموت"، لأنهم اكثر من غيرهم ضحايا البيئة الإجتماعية غير السليمة التي ولدوا وترعرعوا فيها.

قاعدة الدرأ الفقهية

إن الحديث المروي عن الرسول الأكرم محمد (ص) " تُدرأ الحدود بالشبهات" (الحر العاملي، ج 18، ص 335) حديث مشهور في المصادر السنية والشيعية، وهو معتمد كقاعدة فقهية في فقه القضاء والقوانين الجزائية. وحسب هذه القاعدة فإن ظهور اي شبهة في مجال تطبيق الحدود يوقف تنفيذ العقوبة، وتطبيق ذلك في القصاص الذي هو احد مصاديق الحدود بطريق أولى ،نظراً لوجوب الإحتياط والدقة في قضايا الدماء والنفوس. إنني اعتقد أن جرائم الأطفال وعقوبتهم بشكل عام فبها الکثير من الشبهة ولا بد من العمل ب: "قاعدة الدرأ" بشأنها ،لأن البحوث والدراسات العملية والتجارب التي اجريت في علم الإجتماع وعلم النفس الإجتماعي حول جرائم الأطفال الى درجة من الثبوت واليقين التي لا يمكن تجاهلها. إن أول حصيلة لهذه البحوث هي التأكيد على أن الأطفال دون 18 عاماً لم يصلوا الى مرحلة الرشد والبلوغ العقلي وإستقلال الرأي الكامل حتى يمكن تحميلهم المسؤولية الجزائية في حالة ارتكابهم للجريمة. طبعا لابد من أن نستثني الأطفال ذوى الرشد الكامل وهم دون 18 عاماً اذا ثبت ذلك.

يرى اية الله حسين على المنتظري أن "الرشد" بالمعنى العام الذي يعني إدراك النفع والضرر المالي لا يكفي کمعيار لاجراء الحدود والقصاص وإن "الرشد العقلي" معيار ضروري وشرط من شروط تنفيذ الحدود والقصاص بحق الأطفال ، والذي يظهر عادة مع امارات وعلائم البلوغ الجنسي إلا أن يثبت العكس، ولكن المنتظري يفضل الإستناد الى " قاعدة الدرأ " في هذا المجال. نعرض هنا نص السؤال والإستفتاء حول امكانية عدم تطبيق قصاص الموت على الأطفال دون 18 عاما واجابات اية الله المنتظري على ذلك :
نص السؤال: في الوقت الحاضر يعتبر "سِنّ البلوغ" معيار المسؤولية الجزائية [في القانون الإيراني] اذن فالإناث بعد اكمال التاسعة والذكور بعد اكمال الخامسة عشر عاما قمرياً عليهم مسؤولية جزائية.في حين إن البنت بعمر 9 سنوات والولد بعمر 15 سنة قد منعا من التصرف المالي حسب نص القرآن الكريم(النساء: 6) إلا بعد احراز رشدهم. وايضاً جاء في كتاب "الوسيلة الى نيل الفضيلة" للفقيه عماد الدين ابي جعفر محمد بن علي الطوسي ( قم ، نشر مکتبة المرعشي 1408 ق) بأنه لا يمكن طلب القصاص في هكذا عمر اذا كان ولياً للدم إلا بعد احراز "الرشد".

واذا كانت البنت ذات 9 سنوات والولد ذو 15 سنة يمنعان من التصرف في اموالهم، فهل يمكن اعتبارهما ذوي ارادة حرة ومستقلة، وأن يتحملا المسؤولية الجزائية؟ في حين إن الواقع العملي يثبت أن البنت ذات 9 سنوات لا تملك قدرة الإدراك والتمييز الصحيح في كثير من القضايا الحياتية.

الداعي لطرح هذا التساؤل هو إن إيران تمر اليوم بتجربة اقامة حكومة إسلامية مستقلة في العصر الحديث ، وإن النظام القضائي بحاجة الى تحديد " السِنّ القانونية" للمسؤولية الجزائية التي يمكن عبرها تطبيق العقوبات بحق الأفراد.

من هنا وبعد البحث والتمحيص وظهور المشاكل العديد في هذا المجال نأمل من سماحتكم الإجابة الشافية على الأسئلة التالية:
  1. هل هناك فرق بين مفهوم " الرشد" و" البلوغ" ؟
  2. ما هي الأمارات والعلامات الدالة على احراز الرشد؟
  3. ما هو معيار المسؤولية الجزائية، هل هو البلوغ ام الرشد؟
  4. هل يمكن [إلغاء المسؤولية الجزائية عن الفرد غير الرشيد] إستناداً الى عدم مشروعية التصرف المالي لغير الرشيد، والذي يدل على عدم احرازه للارادة الحرة؟
  5. هل يمكن اعتبار منع التصرف المالي أمارة على الشبهة، والإستناد الى" قاعدة الدرأ" لإلغاء الحدود عنهم؟
جواب المنتظري :( " الرشد" يعني القدرة على ادراك النفع والضرر المالي، وهو شرط لرفع " الحجر" في التصرفات المالية. والرشد[بهذا المعنى] ليس شرطا في تطبيق الحدود والقصاص، ولكن "الرشد العقلي" الذي يعني القدرة على التمييز وادراك الخير والشر والحرام والواجب هو شرط للمسؤولية الجزائية. لذلك فإن من لم يحرز هذا النوع من الرشد لا يجوز اجراء الحدود عليه. والعرف إن هذا الرشد يثبت بأمارة البلوغ إلا أن يثبت خلاف ذلك. والواضح أن الشرط الآخر لتطبيق الحدود والعقوبات هو العلم بالحرمة [اي حرمة الفعل] لذلك لو ادّعى الأطفال حديثوا البلوغ بعدم علمهم بحرمة ما ارتكبوه، وكان ذلك الإدعاء محتملا عند العقلاء، وهو ما يحدث عند الأطفال حديثي البلوغ عادة ، فإنه لا يجوز تطبيق الحدود عليهم إستناداً على القاعدة الفقهية "تدرأ الحدود بالشبهات" ).

الإستدلال بين الشبهة أو الإستثناء أو القاعدة

الظاهر من هذه الفتوى، إن اية الله المنتظري ،کبعض الفقهاء الآخرين يعتبرون كلمة "الرشد" المذكورة في الآية (فإن آنستم منهم رشدا) يعتبرونها شرطاً في الأمور المالية، وليس كافيا في الأمور الجزائية، اما "الرشد العقلي" فهو شرط للمسؤولية الجزائية. وهذا الرأي متطابق لرأي بقية الفقهاء كآية الله مكارم الشيرازي .

إن المنتظري يرى بأن الرشد العقلي يتحقق بأمارات وعلامات البلوغ [الجنسي] إلا اذا ثبت خلاف ذلك ، ويبدو إن هذا الراي طريق جديد للوصول الى حل في هذه القضية، لأننا نرى إن السلطة القضائية في ايران عند ما قدمت لائحة جديدة الى مجلس الشورى الإسلامي بعنوان "لائحة تأسيس محكمة الأطفال [القاصرين]" قد ضمت نص فتاوى آية الله مكارم الشيرازي وآية الله نوري الهمداني [حول امكانية الغاء إعدام الأطفال] كأدلة داعمة للمادة 2 والمادة 33 (فقرة 3) التي تطالب بإلغاء إعدام الأطفال دون 18 عاما، والتي طبعت في مجلة الحقوق التابعة لوزارة العدل (جمشيدي ص 79). والواقع إن هذه الأدلة (لمكارم الشيرازي ونوري الهمداني) لا تستطيع أن تكون أدلة داعمة لتلك المادتين، لأنها تتضمن الأراء التقليدية المطروحة في الفقه الإسلامي والتي تنص على أن عقوبة الحدود تشمل الفرد البالغ إلا أن تثبت سفاهته أو جنونه. وحسب هذا الرأي فان البالغ اذا جنى ولكن ثبت جنونه لا يشمله الحدّ والإعدام. نقول إن هذا الحكم غير مختص بالأطفال ، لأن الجاني حتى اذا كان كبير السِنّ أوكهلاً أوشيخا وثبت إنه غير عاقل فان العقوبة لا تشمله.

اذن فاشتراط "الرشد العقلي" بواسطة الفقهاء لا يمكن أن يكون مستنداً لإلغاء إعدام الأطفال دون 18 عاماً، لأنه وفقا لهذا الإستدلال والفتوى فإن القاعدة والأصل في الحكم هو امكانية إعدام الأفراد دون 18 عاماً إلا اذا ثبت عدم بلوغهم للرشد العقلي، وهذا يعني إن إلغاء إعدامهم هو "إستثناء" وليس "قاعدة" قانونية.

ان ما يمكن إستنباطه بعد دراسة "قاعدة الدرأ" هو إن البحوث والدراسات العلمية الدقيقة لعلماء النفس والإجتماع وعلم الجريمة تدل علي أن الأطفال دون 17، أو 18، أو حتى 19 عاما عادة لم يتكامل عندهم "الرشد العقلي" و"الشخصية المستقلة المتكاملة" ، مما يعني إنه من الممكن الإعتماد على "قاعدة تدرأ الحدود بالشبهات" کأصل قانوني وتحريرهم من عقوبة الموت إلاّ أن يثبت العكس، اي يثبت رشدهم العقلي في تلك السنين المبكرة وهو الإستثناء . ولا يمكن الإستنباط مما طرحنا بأن الأصل عدم إعدام الأطفال دون 18 عاما إلاّ أن يثبت رشدهم العقلي الكامل، لأن الإستثناء عادة ما يتبع القوانين العامة، ولا توضع قوانين منفصلة لحالات الإستثناء.

في الإستدلال السابق [الذي طرحه آية الله المنتظري] اعتمد على أن الأصل هو معاقبة البالغ الذي ثبت رشده العقلي بأمارات البلوغ، وقد طرح امكانية تحرير الأطفال دون 18 عاما من الإعدام بأن من شروط تطبيق الحدود هو علم الفاعل بحرمة الفعل، وإن ادّعاء الأطفال بعدم العلم بالحرمة محتمل ومقبول عند العقلاء خصوصا وإن عدم العلم حتى عند الكبار محتمل ومقبول، لذلك يمكن أن يكون مصداقاً للحديث الشريف "تدرأ الحدود بالشبهات".

إن الإستدلال الذي يقول بامكانية علم الأطفال بحرمة الفعل وبالنتيجة تطبق عليهم قاعدة الدرأ، يحتوي على ثغرات وليس حلاً اساسياً، لأنه لا يستطيع إلغاء عقوبة إعدام الأطفال (بناءً على ما جاء في المادة 2 والمادة 3 من اللائحة القانونية المقدمة لمجلس الشورى حول تأسيس محاكم الأطفال " والسبب في ذلك امور:
الأول: اذا اعتبرنا علم الطفل دون 18 عاما بحرمة الفعل أو عدم علمه هو المعيار لعقوبة الإعدام، فإن يد القاضي تبقي مفتوحة لإدعائه العلم بأن الصبي والطفل کان عالما بحرمة الفعل، وأن يصدر حكماً بالإعدام عليه، وهذا يعني إنه ليس هناك مانع قانوني ًللوقوف امام إعدام الأطفال. وقد شاهدنا عمليا في المحاكم الإيرانية استمرار صدور حكم الإعدام على الأطفال دون 18 عاما بالرغم من اصدار السيد محمود هاشمي رئيس السلطة القضائية مرسوما اداريا بعدم صدور مثل هذه الأحكام ،لأن القضاة كانوا يستدلون بعدم وجود قانون يمنع ذلك.

الثاني: يمكن أن يستدل القضاة بأن هناك كثير من العقوبات التي وضعت على الجرائم، لا يعلم بها سواء الكبار أو الصغار، وادعاء عدم علمهم بالحرمة أو الجهل ليس مبرراً لعدم صدور الحكم عليهم، وإن جريمة القتل من الجرائم التي لا تقبل لا من الكبير فضلاً عن الطفل المميز اذا ادّعى عدم علمه بحرمة الجريمة أو عدم علمه بالقانون ،لأن العلم بها امر فطري وعام وإنها جرم كبير وليس كسائر الجرائم.

الثالث: إن الأصل القانوني" ضرورة علم الفاعل بحرمة الفعل لكي يستحق العقاب" غير مختص بالأطفال، وإنما يشمل كل فرد حتى كبار السِنّ، وكذلك يمكن شموله لفئات خاصة في المجتمع، فمثلاً القرويون والبدو الذين يعيشون في القرى النائية عادة ما يجهلون كثيرا من القوانين والنظم الادارية ويراعى جهلهم في المحاكم. ما نحن بصدده في هذا التحقيق [ليس اثبات شمول أو عدم شمول هذا الأصل علي الأطفال] إنما هو الوصول الى قاعدة لمنع تطبيق الحدود ومنها قصاص الموت على الأطفال.

وعندما نقبل بوجود "الشبهة" ونطبق "قاعدة الدرأ" على الأطفال حديثي البلوغ والطفل المميز، تظهر مشكلة ثانية وهي إنه لابد من تحديد "سِنّ الرشد العقلي الكامل" [أو ما يعبر عنه بالسِنّ القانونية] ولا يمكن أن يكون ذلک عدداً مجهولاً وعائماً لأن القاضي سوف يقع في مشاكل قانونية. وبالرغم من أنه لا يمكن تحديد رقم رياضي دقيق لسِنّ البلوغ العقلي [أو السِنّ القانونية]، ولكن عبر مراجعة للعرف وخبراء الإجتماع وعلم النفس، فإن الأطفال يصلون الى الرشد العقلي في الأعمار 17 و18 سنة، ولذلك فإن قوانين الدول المختلفة اختارت سِنّا معينة له واعتبرته السن القانونية للمسؤولية الجزائية. فبعض الدول اختارت اكمال 18 عاماً، اما الدول الإسكندنافية الباردة فإنها اختارت اكمال 20 أو حتى 22 عاماً رعاية للاحتياط والإطمئنان لتطبيق العقوبات الجزائية. ولابد من الاشارة هنا الي أن الدول التي ألغت الإعدام بشكل عام فإنها وضعت عقوبات بديلة [للأطفال]، اما الدول التي لم تلغ الإعدام يشكل عام [حتى على الكبار] فإنهم يطبقون ذلك حتى على الأطفال دون 18 عاماً. فقدان الرشد العقلي ودوره في العقوبة

إن فقدان " الرشد العقلي" الكامل لا يبرر تطبيق العقوبة على الأفراد، وإن اعتبار معيار ثبوت الرشد العقلي الكامل يستطيع الوقوف امام تطبيق عقوبة الإعدام ليس فقط على الأطفال دون 18 عاماً، بل وحتى بالنسبة الى الكبار والمجرمين ذوي الرشد العقلي. ولذلك نرى إن إلغاء الإعدام في بعض دول العالم خلال القرنين الماضيين لم يقتصر على الأطفال، وإنما إرتفع لكي يشمل الكبار ايضاً، لأن البحوث والدراسات النفسية اثبتت إن البعض من مجرمي القتل عادة ما مصابون بنوع من أنواع "الجنون" الخفيف أو الشديد. وإن هذا النوع من الجنون لم تظهر عوارضه على الأفراد، وإنهم يعيشون عادة بشكل عادي وسط المجتمع بدون اي عوارض مثيرة للهذيان أو الجنون، ولكن هناك نوع من الجنون في داخلهم (أوليايي، 1385ش).

وبناءً على الآية القرآنية (ولا على المريض حرج. النور 61) فإن هذا النوع من الأفراد [المصابون بالجنون] معفيون من العقوبة الجزائية، وتشملهم احدى النظريات الحقوقية التالية:
1. عدم المسؤولية الجزائية irresponsibility
2. تخفيف المسؤولية Diminished Responsibility

إن "جمعية المحامين الأمريكية" و"جمعية علماء النفس الأمريكية" قد اعلنوا عام 1982م عن دعمهم ودفاعهم لنوع من "عدم المسؤولية الجزائية" ، ينحصر في المقولة التالية: إن موكلهم مبتلى بمرض أو عاهة نفسية لم تجعله قادراً على تحديد عدم سلامة سلوكه.

ضرورة الرشد العقلي بناءً على قاعدة التسليط

إن الفقهاء المسلمين إستنبطوا "قاعدة التسليط" في الفقه بناءً على رواية ( الناس مسلطون على اموالهم) ( الحلي ،تذکرة الفقهاء ،طهران، مکتبة الرضوية ج 1/ 489 )، وهي تعني إن كل مالك له "حق السلطة" على ماله، وليست هناك اية مرجعية تستطيع سلب هذا الحق، وإن الأية (فإن آنستم منهم [اي الصغار اليتامي] رشدا فادفعوا اليهم اموالهم. النساء: 6) تدل على شرط الوصول الى مرحلة الرشد العقلي اضافة الى البلوغ الجنسي قبل اعطاء حق التصرف المالي للأطفال [في حالة اليتم وفقدان الأب].

بناءً على ما تقدم وبناءً على أولوية "حفظ النفس" على " حفظ المال"، نستنتج بأن الأولوية العقلية والشرعية في حفظ النفس تتقدم على حفظ المال، وإنه بطريق أولى أن يكون الوصول الى سِنّ "الرشد العقلي" شرطاً للمسؤولية الجزائية لجرائم القتل عند الشارع الإسلامي.

الرئيسية | عن الشبكة | بريد | بيانات إعلامية | تقارير ودراسات | موضوع للمناقشة | خطوة للأمام | حملات | النشرة الأسبوعية | مواثيق وإتفاقيات | أجندة حقوق الإنسان | خدمات | دليل المواقع | اصدارات حقوقية | جوائز حقوق الانسان | مؤسسات على الشبكة
الرئيسية
جميع الحقوق © محفوظة للمؤسسات الصادر عنها المواد المنشورة
مصرح بنشر اصداراتنا مع ذكر المصدر و الوصلة الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان 2003 - 2009
المواد المنشورة تعبر عن أراء كتابها ، مؤسسات أو أفراد ولا تعبر بالضرورة عن موقف الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان

ifex